ثنائي حرية التعبير وأمن الدول في "حروب الفضاء الإلكتروني"

معارك إلكترونية شهدها العام 2010 دارت هنا وهناك، غارات استهدفت مواقع حساسة للحكومات ومعارضاتها، لمواقع تتهم بالإرهاب ولأخرى تهتم بمحاربته وثالثة خاصة ببرامج تثير "شبهات تسلحية". لكن مفهوم "حروب الفضاء الإلكتروني" رسخه موقع ويكيليكس ،بقيادة جوليان أسانج، من خلال نشاطه في الأعوام القليلة الماضية.

هذا الموقع غير الربحي الذي انطلق عام 2007، بدأ بعد عام من تأسيسه بنشر وثائق سياسية مهمة لم يكن بمقدور أحد من عامة الناس الاطلاع عليها.

كانت البداية مع تقارير عن انتهاك حقوق الإنسان في كينيا. وتلى ذلك نشر يوميات من جنود أمريكيين في أفغانستان تتحدث عن مقتل مدنيين وعن دور باكستان وحركة طالبان في الحرب الدائرة في المنطقة.

ومن ثم نشر الموقع معلومات معروفة وأخرى جديدة عن حقوق الإنسان في العراق، في ظل وجود ونشاط القوات الأجنبية هناك، كما نشرت تفاصيل عن أطراف في الحكم والجماعات المسلحة.

لكن الحرب اشتدت في نهايات العام، وكانت، بحق، حربا من "طراز جديد" بلغت ذروة اشتعالها لسبب مباشر تمثل في تسريب برقيات دبلوماسية أمريكية كشفت ما كان خافيا أو ما كان غير معلن بالاقل.

وقد اثار الموقع وصاحبه الذي بدا مصراً على موقفه من حق النشر، باعتباره جزءا من حرية التداول الإعلامي للمعلومات، ردود فعل مختلفة بين رضا وانزعاج أطراف متباينة، لكن الحكومات الغربية كانت من أشد المنتقدين إذ اعتبرت التسريبات خطرا على مواطنيها، عسكريين ومدنيين، وأنها تلحق ضررا بأمنها القومي.

تلك البرقيات تضمنت تفاصيل مثيرة تتعلق بالكثير من الجوانب بينها:

  • السياسة الأمريكية الخارجية
  • وجهات نظر تتعلق بقادة من مختلف بلدان العالم
  • قضايا لها صلة بحقوق الإنسان في مختلف دول العالم
  • معلومات عن سلوك بعض الحكومات خصوصا الحليفة للولايات المتحدة والدوائر القريبة من تلك الحكومات
  • قضايا لها صلة ب‍"الإرهاب" وبالحرب عليه، والداعمين لكلا التوجهين.

وما شكل عتبة جديدة في هذه الحرب، بدء نشر الموقع الوثائق المثيرة للجدل، وبالمقابل إجراءات محاصرة الموقع ومحاولة منع بثه عبر الإنترنت ومن ثم اعتقال صاحبه أسانج وقطع موارد موقعه المالية ووقف التحويلات المصرفية عن طريق الإنترنت.

واشتد أوار الحرب عندما أخذت "قوات إلكترونية" بشن هجمات انتقاما لويكيليس وصاحبه، على مواقع تجارية ومصرفية إلكترونية وبطاقات ائتمان عالمية ومواقع حكومية معنية، الأمر الذي شكل مرحلة مهمة من هذه الحرب، لم تؤذن بقرب نهايتها بل أطلقت أشارة استعارها.

يضاف الى ذلك تهديدات أطلقها ناشطون إلكترونيون انخرطوا في خضم هذه الأحداث ضمن جماعة نجحت بتجنيد أعداد أخرى من خلال مواقع إلكترونية، اجتماعية في الغالب، مثل تويتر وفيسبوك ومنتديات ومدونات مختلفة.

وذكرت التقارير ان الجماعة التي كان يبلغ عددها نحو خمسين شخصا توسعت بحيث شملت عضويتها نحو أربعة آلاف مشارك، وشنت عبر هذا الجيش مئات الهجمات على المواقع التي استهدفتها لإغراقها وتعطيل عملها.

أما الفصل الذي نشهده الآن من معارك "ويكيليكس" فيتلخص بمواصلة نشر الوثائق. ويجري ذلك جنبا الى جنب مع المعركة القانونية التي يخوضها صاحب ويكيليكس ضد مطالبة السويد لبريطانيا بتسليمه إليها، بخصوص اتهامه بالتحرش الجنسي، ومع استعداده وفريقه لطلب مماثل متوقع من الولايات المتحدة، لكن هذه المرة بتهم تجسسية أو تتعلق بالأمن القومي.

الحروب الإلكترونية تلك تتخذ طابعا سياسيا متزايدا بنشر ما جرى تداوله في كواليس السياسة وما نقلته الحقائب الدبلوماسية، وهي مرشحة للاتساع، لتشمل معارك قانونية تتعلق بحرية التعبير والإعلام الحديث من وجهة النظر الشعبية من جانب، واستقرار الدول وأمنها القومي من وجهة النظر الرسمية، من جانب آخر.

المزيد حول هذه القصة