رغم التهديد: أقباط بريطانيا يحتفلون بالميلاد!

البابا شنودة
Image caption تحرص كنائس المهجر على قراءة الرسالة التي توجه لشعبها من الكاتدرائية المرقسية مباشرة

"ليست هذه هي المرة الأولى"، هكذا قال مارك حينما سألته عن رأيه في أحدث هجوم يستهدف مصلين أقباط في الأسكندرية. لقد كان المزاج العام داخل تلك الكنيسة المصرية الواقعة على بعد نحو 30 ميلا شمال لندن يخيم عليه بعض الحزن، وكان خافتا بعض الشيء، وإن لم يبدو ذلك واضحا من الوهلة الأولى. فالجميع جاءوا هنا متحلين بأناقة خاصة، مرتدين أفضل الملابس، ولكثرة البدلات ورباطات العنق التي ارتداها الرجال، والكثير منهم في عمر الشباب المبكر، شعرت أنني بملابسي التي بدا عليها إرهاق يوم عمل كامل، خارج عن النسق العام.

في البداية تقاطر الحاضرون شيئا فشيئا للصلاة، قبل أن تمتلئ القاعة مع نهاية القداس، حيث تزايد عدد الحضور من ساعة إلى ساعة. ولا عجب في القول من ساعة إلى ساعة، فالأقباط لا يختلفون عن غيرهم من المسيحيين الأرثوذكس الذين يطول قداسهم كما هو معهود لساعات.

كما يلحظ المرء تلك الأطباق المغطاة بورق القصدير والتي تعد بالكثير من الخيرات، وهي تتجه إلى قاعة الطعام الرئيسية الملحقة بالكنيسة بانتظار المائدة المشتركة بعد انتهاء الصلاة.

"هنا لنحتفل!"

"إنه عيد ميلاد مختلف هذا العام. فنحن نشعر بالحزن ونتردد في التعبير عن مظاهر الاحتفال" – هكذا عبرت آنجيلا، وهي فتاة شابة نصف مصرية نصف اسكتلندية تعمل في مجال التوظيف.

من ورائي سمعت دون أن أعير التفاتا ملحوظا كلمة "استشهاد" ينبس بها أحد الحضور من على مسافة. ولا يبدو الأمر غريبا على كنيسة تفخر بالإشارة إلى تاريخ متصل من القديسين والشهداء من أجل الإيمان منذ القرن الأول الميلادي وحتى اللحظة، ودون انقطاع. غير أن المشاعر في الحقيقة مختلطة، فالناس مصرون على الاحتفال، في نوع من التحدي الصامت، الممزوج بشعور حقيقي بالفرح! يعبر أسقف الكنيسة، الأنبا أنجيلوس، عن ذلك بأفضل كلمات حينما يقول "رغم أننا نشعر بالحزن على الضحايا، إلا أننا نعمد إلى الابتهاج". وبينما كنت أدون بخط غير واضح بعض الكلمات، دخل موكب يتقدمه صليب ذهبي، مصحوبا بصوت الصنوج، ودرجات من اللون يغلب عليها اللون الذهبي وبياض الأردية الباهية للشمامسة والكاهن والأسقف. سار الموكب، الذي بدا وكأنه ظهر من عدم، عبر رواق الكنيسة وصولا إلى الأمام باتجاه المذبح ، وبدا المشهد أشبه بعرس منه إلى مراسم دينية.

لقد كانت الرسالة غير المنطوقة لا تخطئها العين تسري في الكنيسة، تماما مثل رائحة البخور في المكان لا تخطئها الأنف: نحن هنا لنبقى، نحن هنا لنحتفل!

"أبواب الجحيم"

Image caption تعرضت نفس الكنيسة لهجوم في وقت سابق ممن وصف بانه مختل عقليا

ركز القساوسة على ضرورة التحلي بالهدوء، الأمر الذي كان قد أكدة البابا شنودة: "الشغب أبعد ما يكون عن المسيحية". وكان هناك شعور بخطورة الموقف يلقي بالمسؤولية على أكتاف رجال الكنيسة.

بدا لي أن ما تخشاه الكنيسة أكثر من أي شيء آخر ليس هو التفجيرات الانتحارية، بل انفجار غضب غير محكوم بين رعيتها.

يبدي القس شنودة نوعا من الاستهجان حين يقول: "من أين أتوا بهتاف "بالروح بالدم نفديك يا صليب!" هذه الهتافات ليست منا! نحن لا نفدي الصليب بل المسيح المصلوب هو من يفدينا! نحن لا نحمي المسيحية ولا الكنيسة، ولكن الله هو الذي يحميها، الذي قال إن أبواب الجحيم سوف لا تقوى عليها".

"استهداف مصر"

ووسط تيار من الغضب المكبوت والحديث عن المظالم، خاصة بين الجيل الأكبر الذي لم تنقطع صلاته تماما بمصر أعرب أحد القساوسة لـ بي بي سي عن اعتقاده أنه لا يستبعد هذه المرة أن جهة ما تهدف لتفتيت البلد، موضحا: "مسلم ضد مسيحي ومسيحي ضد مسلم، هذه أقرب وسيلة لتفتيت البلد".

أما الأب شنودة فقد قال لي إن مصر حقا كان لديها إرث من التسامح أفضل مما هو الوضع الراهن، وأنها كان بإمكانها يوما أن تتباهى بمثل هذا الإرث. "بل حتى الآن حينما أزور مصر، فجيراني، وكلهم حجاج وحاجات، يعشقونني فعلا حتى وأنا كدة قسيس!" قاصدا هيئته بالجلباب الكهنوتي القبطي الأسود واللحية السوداء والصليب.

"لن تصدق كيف كان استقبالهم لي حارا!"، يقول القس عن جيرانه المسلمين في مصر. وفي عبارة مرثاة أخيرة يضيف الأب: "كبرت في بلد أفضل من البلد الذي نراه الآن!". "لقد فسدت .. الأمور الطيبة".