فوكوشيما: ماذا حدث وماذا يتعين فعله؟

صورة لوكالة أ.ف.ب من طائرة بدون طيار للمفاعلات الأربعة في فوكوشيما. التقطت الصورة يوم 20 مارس آذار

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption أحد أعضاء فرق الإصلاح في مجمع فوكوشيما النووي باليابان

يلمس المتأمل للصورة التي تتكشف معالمها في مجمع فوكوشيما النووي الياباني وجود كارثة محورية تتمثل في سخونة القلب النووي المشع في المفاعلات داخل المجمع نتيجة توقف أنظمة التبريد بعد زلزال 11 مارس الماضي ، إضافة إلى عدة كوارث أخرى فرعية أقل خطورة ولكنها تستدعي نفس القدر من الانتباه.

فبعد ثوان من الزلزال المدمر ، توقفت التفاعلات النووية في مفاعلات في فوكوشيما عن العمل كما هو مقرر لها في تصميمها. ولكن الوقود النووي الساخن في بعض تلك المفاعلات استمر في انتاج كميات هائلة من الطاقة الحرارية نتيجة انهيار أنظمة التبريد ، وأصبح تبريد تلك المفاعلات بالماء هو التحدي الأكبر الذي يواجه جهود الإنقاذ لحماية اليابان والعالم من كارثة نووية مروعة بكل المعايير.

تلك الكارثة تتمثل في وقوع عطب بقضبان الوقود النووي المشع يدفعها إلى التفاعل بصورة خارجة عن السيطرة ، مما قد يرفع الضغط داخل الوعاء الواقي المصنوع من الصلب والخرسانة المسلحة والذي يحيط بالمفاعل بأكمله ، ويهدد بانفجار ذلك الوعاء على نحو ما حدث في مفاعل تشيرنوبيل الروسي .

ولكن الكهرباء التي تغذي محطة ضخ مياه التبريد انقطعت نتيجة الزلزال ، وبدأت مضخات الديزل الاحتياطية العمل كما هو مقرر في تصميم المفاعلات ، وبدا أن الأمور تحت السيطرة فيما يتعلق بتبريد المفاعلات في فوكوشيما.

غير أن أحدا لم يتوقع أنه بعد ساعة واحدة من الزلزال كانت موجات تسونامي العاتية تضرب اليابان بكل قوة. واكتسحت المياه مضخات الديزل في فوكوشيما كما جرفت خزانات الوقود التي تغذيها . وزاد من قتامة الصورة أن مجمع فوكوشيما مصمم لاحتمال موجات تسونامي بارتفاع ستة أمتار ، وليس خمسة عشر مترا كما حدث بعد الزلزال.

ومع ذلك فقد نجح اليابانيون في إغلاق وتبريد معظم المفاعلات في مجمع فوكوشيما باستثناء المفاعلات الثلاثة الأقدم في المجمع . فتلك المفاعلات دخلت الخدمة بين عامي 1970 ، 1974 ، وقد أدى توقف مضخات التبريد فيها إلى غليان مابها من ماء بسبب استمرار تصاعد الحرارة من القضبان النووية وتصاعد خطير في الضغط داخل الأوعية الواقية لتلك المفاعلات .

وبالفعل انفجرت عبوات الزكونيوم التي تحوي كرات الوقود النووي ومن المرجح أن يكون بعض ذلك الوقود قد انصهر بالفعل ، وإن كان ذلك غير مؤكد بنسبة قاطعة.

ارتفاع الضغط .

وكان القرار الأولي بإخلاء المنطقة المحيطة بمجمع فوكوشيما المعطوب صائبا وحتميا لإنقاذ أرواح من يقيمون حول المجمع ، كما أن الإخلاء أتاح لمشغلي المجمع الفرصة للتحرك بحرية أكبر في مواجهة الخطر المتفاقم والمتمثل في الضغط المحتقن داخل الوعاء الواقي مع استمرار غليان المياه نتيجة سخونة الوقود النووي.

كان ذلك الضغط يهدد بانفجار الوعاء وخروج ما قد يكون داخل المفاعل من مواد نووية بصورة مباشرة إلى الهواء ، ولذا فقد تعين فتح محابس الضغط تدريجيا لإخراج الضغط المحتبس دون انفجار .

ولكن لم يكن هناك مفر من خروج غازات خطيرة وساخنة على رأسها الهيدروجين الناجم عن تفاعل الزركونيوم مع الماء في درجات حرارة عالية ، كما خرجت كميات صغيرة من المواد المشعة المتسربة من قضبان الوقود النووي المعطوبة .

وهنا بدأت المشاكل الثانوية أو اللاحقة .فنتيجة لاختلاط كميات كبيرة من الهيدروجين الساخن بالهواء انفجر الغلاف الخارجي لاحد المفاعلات يوم 12 مارس وسمع دوي انفجار مروع في مفاعل آخر بعد ذلك بثلاثة أيام ، وأثارت تلك الانفجارات المخاوف من حدوث شروخ في الأغطية الواقية فوق تلك المفاعلات . وحتى الآن لم يتسن التأكد مما إذا كان تلك الشروخ قد حدثت.

غير النتيجة الاسوأ هي الفشل في توصيل الكهرباء لمضخات التبريد في تلك المفاعلات ، مما يعني استمرار تبخر المياه داخلها وانخفاض منسوب تلك المياه مما يعني ارتفاع حرارة الوقود النووي داخلها بدرجة خطيرة . فقد نفذت الامدادات الموجودة من المياه العذبة وتقرر نتيجة لذلك الاستعانة بمياه البحر عن طريق ضخها عبر نظام إطفاء الحريق في المفاعلات ، واستمر الوضع كذلك حتى أمكن تأمين إمدادات جديدة من المياه العذبة من أحد السدود بعد أن تبين أن الملح المترسب من مياه البحر يهدد بإعطاب الصمامات التي تفتح وتغلق تيار المياه الموصل إلى قلب المفاعات ، وبما يمكن ان يتسبب في مشكلة جديدة .

هذا الحل هو المتبع الآن ، حيث تقول التقارير إن مستوى المياه العذبة داخل المفاعلات الثلاثة قد ارتفع إلى مافوق منتصف غرف التفاعل النووي وبما يكفى لتبريد الوقود النووي بدرجة معقولة ، وفي الوقت نفسه تستمر الجهود لا ستعادة الطاقة الكهربائية إلى مضخات التبريد التي توقفت بفعل تسونامي .

التلوث الإشعاعي .

وبالرغم من أن الطاقة الكهربية عادت إلى معظم أجزاء مجمع فوكوشيما النووي إلا أن تلك المضخات لم تعمل بعد ، كما أن من المرجح أن عددا كبيرا منها يحتاج إلى استبدال كامل بعد أن دمهرتها أمواج تسونامي .

وهناك كارثة أخرى ناجمة عن محاولات تبريد الوقود النووي .. ففي الأحوال العادية يتم إخراج قضبان الوقود النووي من المفاعلات وتخزينه في بحيرات تبريد لعدة أشهر قبل أن ينقل إلى مجمعات أخرى لإعادة تخصيبه حتى يمكن استخدامه من جديد. ويسمح تصميم المفاعلات بوجود تيار مستمر من المياه إلى تلك البحيرات بما يضمن عدم ارتفاع درجات حرارة الوقود النووي فوق مستوى معين . ولكن ماحدث في فوكوشيما هو أن فرق الانقاذ ، في سعيها المحموم لتبريد المفاعلات المعطوبة اضطرت لاستخدام مياه بحيرات تبريد الوقود المستنفد ، مما جعل ما بقي من مياه في البحيرات يغلي بسبب ارتفاع درجة حرارة قضبان الوقود داخلها .

وتجلت تلك المشكلة بصورة خاصة في المفاعل رقم أربعة حيث كانت البحيرة الخاصة به تحتوي على كميات كبيرة من الوقود المستنفد ، وبالفعل حدث عطب في اسطوانات الزركونيوم الحاملة لذلك الوقود مما أدى لتصاعد كميات كبيرة من الهيدروجين الساخن وحدوث انفجار ألحق أضرارا بالمبنى الخارجي للمفاعل.

وكان من الضروري إعادة تيار المياه إلى تلك البحيرات لمنع تصاعد المواد المشعة إلى الهواء .. وكان ذلك سببا في المشهد الشهير لطائرات الهليوكبتر وهي تلقي كميات كبيرة من المياه فوق المفاعل وكذلك الخراطيم التي تضخ كميات كبير من المياه بصورة عشوائية على مبانيه في محاولة لإعادة ملء بحيرات التبريد.

ثم ظهرت مشكلة ثالثة هي تسرب المواد عالية الاشعاع من أحد أنفاق الصيانة في المفاعل رقم 2 ، مما أدى إلى انسياب المياه المشعة من النفق إلى البحر مباشرة . وقد تبين وجود شرخ باتساع عشرين سنتيمترا في جدار النفق تتسرب منه المياه المشعة ، ولكن أمكن رأب ذلك الشرخ باستخدام نوع من المكورات المطاطية "البوليمر" يعرف باسم "الماء الزجاجي" . ولكن أحدا لم يعرف حتى الآن السبب في حدوث الشرخ في المقام الأول.

ومشلكة رابعة تمثلت في امتلاء خزانات صرف مياه النفايات بالمياه المشبعة بالمواد المشعة ، وإلى الدرجة التي لم تعد فيها تلك الخزانات قادرة على استيعاب مزيد من المياه القادمة من تبريد المفاعلات ، وهي بدورها مياه عالية الإشعاع. ولم يكن هناك مفر سوى صرف تلك المياه المشعة إلى البحر مباشرة ودون أي معالجة لإزالة مابها من إشعاع.

وتلك المشاكل وإن كانت ثابتة في طبيعتها ، إلا أنها وفي أحيان كثيرة حتمت سحب الموارد والامكانات من المشكلة الرئيسية ، وهي ضرورة تبريد المفاعلات ، إما بسبب ضرورة التعامل مع المشكلات الفرعية بصورة مباشرة أو ضرورة السعي لتفادي الآثار التي قد تنجم عنها ، وخاصة جرعات الإشعاع التي يتعرض لها العاملون في فرق الإصلاح .

النجاح المحتمل .

ويجمع الخبراء على أن مؤشر نجاح الجهود المبذولة الآن هو القدرة على إغلاق المفاعلات الثلاثة المعطوبة في فوكوشيما ، وهو ما لن يتحقق إلى بتبريد تلك الوقود النووي داخلها إلى ما دون 100 درجة مئوية .

وحتى الآن فإن أحدا لا يعرف درجة الحرارة داخل المفاعلات ، ولكن القياسات كشفت أن درجة الحرارة خارجها تتراوح بين 84 ، 220 درجة مئوية .

ثم هناك مهمة أخرى تتمثل في تأمين تيار مستمر من المياه العذبة لتبريد بحيرات تخزين الوقود النووي المستنفد أو إخراج ذلك الوقود من البحيرات ونقله كي يبرد في منشآت نووية أخرى ، مع التأكد من سلامة أوعية الزركونيوم التي يحفظ فيها ذلك الوقود لتفادي مزيد من تصاعد المواد المشعة إلى البيئة المحيطة .

وفي مرحلة لاحقة ، يمكن اتخاذ قرار بإخراج الوقود النووي من المفاعات الثلاثة المعطوبة في فوكوشيما ، وعلى غرار ما حدث في مفاعل ثري مايل ايلاند الأمريكي الذي كان قد تعرض لظروف مشابهة عندما تعطلت أجهزة التبريد الخاصة به .

وذكرت وكالة "كيودو" اليابانية للأنباء أن إعادة فتح ذلك المطار ستسهل زيارة المناطق التي ضربها الزلزال والإسراع من أنشطة الإغاثة هناك.

وقالت سلطات المطار إن الخطوط الجوية اليابانية وشركة أول نيبون الجوية الخاصة تقومان بتسيير ست رحلات يوميا بين مطار سينداي الواقع في مقاطعة ميياجي ومطار إيتامي في أوساكا.