كيف يسقط زعماء الإرهاب حول العالم في قبضة أجهزة المخابرات؟

بن لادن
Image caption الادارة الأمريكية تتابع قتل بن لادن من داخل غرفة في المخابرات المركزية

كان الطريق الذي سلكته المخابرات المركزية الأمريكية حتى مخبأ زعيم القاعدة أسامة بن لادن طويلا ومعقدا. فبعكس الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فإن فرصة أن يسقط بن لادن نتيجة خيانة أحد المقربين منه تحت إغراء جائزة قدرها 25 مليون دولار وضعتها واشنطن ثمنا لرأس زعيم القاعدة كانت ضئيلة للغاية.

كان ولاء الدائرة المقربة من بن لادن قويا إلى الدرجة التي جعلت إحدى زوجاته تندفع وهي عزلاء من السلاح لتحميه بجسدها في مواجهة رصاصات القوة الأمريكية الخاصة التي اقتحمت معقله.

لقد ظل بن لادن طليقا طوال نحو عشر سنوات منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لسبب رئيسي هو أنه لم تكن له دولة معروفة ينتمي إليها وبالتالي يمكن مطاردته فيها، وبذلك تمكن من تضليل أعداءه قبل تلك الهجمات وبعدها بالرغم أننه كان معروفا للجميع من حيث الشكل والصوت وحتى العادات الشخصية والهوايات.

ولم يكن بن لادن وحده هو الهارب المطلوب لاجهزة المخابرات في العالم بصفة عامة والمخابرات الأمريكية بصفة خاصة، بل هو فرد في منظومة كبيرة من الأفراد الذين تربطهم صلات قد تكون حقيقية في بعض الأحيان ووهمية في أحيان أخرى، ومزيجا من الحقيقة والوهم في أغلب الأحيان.

كيف إذن يمكن تتبع هؤلاء، وماهي الأساليب المتبعة التي يمكن أن تقود المحققين للتعرف على مشتبه به بعينه قبل أن يرتكب ما يعتقدون أنه سيرتكبه؟

الكتابة على الورق

قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر كان معظم العمل المتعلق بمتابعة المشتبه فيهم يتم عن طريق الكتابة باليد على أوراق. ويقال إن مقر المخابرات المركزية الأمريكية في ضاحية "لانجلي" بولاية فرجينيا كان يضم حائطا كبيرا تعلق عليه أوراق تحوي أسماء المشتبه فيهم وملاحظات عنهم. وكان المتبع هو استخدام المشابك المعدنية في تعليق تلك الأوراق بحيث يمكن نقلها من موضع لآخر وفقا للإرتباط بين الأسماء المدونة عليها أو الأحداث ذات الصلة بتلك الأسماء.

ولكن ذلك انتهى منذ وقت طويل، وتحولت عملية رصد الأسماء إلى نظام رقمي متطور ومعقد يستند إلى برنامج يعرف باسم "سوشيال نتورك أنالسيس" أو تحليل شبكة العلاقات الإجتماعية ، وهو برنامج أنتجته شركة "أي تو" البريطانية.

ولا علاقة لهذا النظام بشبكات التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك أو تويتر، بل هو وسيلة تحليل علمي للتعاملات والتفاعلات بين الأشخاص المشتبه فيهم وغيرهم وغيرهم من الاشخاص والمنظمات.

ويضرب تشارلز واطسون نائب رئيس الشركة التي طورت النظام مثلا بما حدث في عملية "رد دون" التي انتهت بالقبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حيث تم الاعتماد على نظام سوشيال نتورك انالسيس في تحليل سلوك كل من يعرف صدام حسين، بما في ذلك سائقه الخاص، ومسؤول النظافة عنده، وحراسه الشخصيون ، لرسم دائرة خارجية يكون المطلوب في مركزها ، وتضيق الدائرة شيئا فشيئا حتى يتم الوصول إلى الهدف في المنتصف.

والأساس في تلك العملية هو التعرف على الصلات والروابط البسيطة والهامشية بين مختلف أفراد الدائرة ، وبذلك تمكن الجيش الأمريكي من الوصول بسهولة إلى عشرات من المحيطين بصدام حسين والشخصيات المؤثرة في نظامه حتى أمكن الوصول إليه. وهكذا فإن التكنولوجيا هي السبيل الوحيد للربط بين عدد كبيرة من النقاط المتباعدة على خريطة مكافحة الإرهاب.

يضاف إلى ذلك نشاط المخابرات التقليدي المتمثل في متابعة المشتبه فيه عبر تسجيل المكالمات والتقاط المكالمات اللاسلكية والمراقبة الشخصية اللصيقة والاستفادة من المرشدين، حيث توضع كل هذه المعلومات في البرنامج السابق وفي غضون ثوان معدودة تظهر العلاقات الخفية بين تلك النقاط المتباعدة.

وفي حالة بن لادن، كشفت المخابرات الأمريكية عن أنه في عام 2010 تمكنت أقمار التجسس على الإتصالات من رصد رقم هاتفي مملوك لواحد من أقرب مساعدي زعيم القاعدة، مما مكن خبراء التتبع من رصد أماكن تواجد كل من تلقى اتصالا هاتفيا من ذلك الرقم.

الذئاب الشاردة

ثم بدأت مرحلة جديدة هي رصد أنماط الحياة داخل المجمع الذي كان يسكن فيه بن لادن في أبوت أباد، من هم الأشخاص الذين يأتون ومن الذين يغادرون وفي أي أوقات وما الذي يحدث داخل المجمع ، كما تم تصوير المجمع جوا عدة مرات وإرسال الصور إلى الحاسب الآلي لتحليها بهدف التعرف على الزوايا والأبعاد البنائية والمداخل المحتملة وأنواع السيارات المخزنة بالداخل إن وجدت ونقاط الحراسة.

ومع الوقت، وقبل تنفيذ عملية الإقتحام بعدة أسابيع، بدأ العمل المخابراتي الإلكتروني ينسحب تدريجيا ليحل محله التخطيط العسكري للتنفيذ.

وهنا يؤكد واطسون أنه لا مجال على الإطلاق للاعتقاد بأن بوسع البرامج الإلكترونية المستخدمة في جمع وتحليل المعلومات أن تتخذ القرار النهائي نيابة على العنصر البشري ، فبغض النظر عن مدى كفاءة البرامج الإلكترونية في مجال المخابرات، إلا إن تلك الكفاءة تظل مرهونة بصحة ودقة المعلومات التي تصب فيها.

وفي مجال مكافحة الإرهاب تزداد صعوبة الاعتماد الكامل على تلك البرامج بقدر ما تشتد الحاجة إليها. فالتهديدات الإرهابية قائمة باستمرار وتتطور كل يوم، ولكن المشكلة تكمن الغموض الكامل الذي يحيط بعدد كبير من المتهمين بالإرهاب والمشتبه فيهم وحتى من يفكرون في القيام بأعمال إرهابية ، وهؤلاء هم من يطلق عليهم الآن "الذئاب الشاردة".

المزيد حول هذه القصة