سكان بنغازي: كلنا متطوعون في المقاومة

شباب المقاومة في بنغازي مصدر الصورة BBC World Service
Image caption شباب المقاومة في بنغازي

كنت أتجول على شاطئ بنغازي المطل على البحر المتوسط عندما قابلني رجل في أواسط عمره.. كان يشير إلي كمن يحاول إبلاغي بشيئ ولكن لغته لا تسعفه، ولكن ما فهمته منه هو أن ليبيا كلها كانت تختنق تحت حكم القذافي والآن وحدها بنغازي تستطيع أن تتنفس من جديد.

وفي منطقة الميناء كان رسم كاريكاتوري للرئيس معمر القذافي يملأ فراغ جدار كبير، ودبابة استولى المقاومون عليها من الجيش الليبي تقف وقد صوبت مدفعها نحو البحر. خارج الدبابة خيمة كتب شخص على قماشها "لا خوف".

الجو هنا معبق بإحساس من الفخر والتفاؤل، فأنا في المدينة التي كانت مهد الثورة.

موللي الترهوني شابة جامعية كانت تعيش في لندن، ولكن ما أن قامت الثورة حتى جمعت حاجياتها على عجل وجاءت إلى بنغازي لتشارك في الحدث تقول إنها لم تكن تتوقعه قبل سنوات.

حتى الأطفال في بنغازي.. حملوا المكانس ونظفوا الشوارع ثم قاموا بطلاء حواف الأرصفة باللونين الأصفر والأسود.

وتقول موللي "الآن كلنا متطوعون هنا.. نحن مفعمون بالحيوية..ونعلم أن التحديات أمامنا كبيرة ولكن لدينا رغبة قوية في النجاح".

موللي تتولى مساعدة الإدارة المحلية في المدينة في ترجمة المكاتبات وكتابة الرسائل باللغة الإنجليزية، وتقول إنها تسهم ولو بقدر ضئيل في بناء دولة جديدة من نقطة الصفر.

أمام متجر للأدوات المكتبية يجلس مالكه أبو صلحان الطاشاني، هو في الثمانين من عمره وقد هرع لتحيتي.

يقول إنه فتح متجرا على الشارع الرئيسي عام 1974 وكان يبيع فيه الكتب والمجلات الأجنبية إلى جانب الأدوات الكتابية، ولكن القذافي لم يعجبه ذلك، وجاءت الشرطة وطردته من المتجر الذي آل إلى مالك آخر.

ثم آخرج كومة من الصور الفوتوغرافية لبنغازي عام 1970 وهو يقول "أنظر لهذه الصور ، لقد التقطتها بنفسي وبوسعك أن ترى أبنائي هنا".

ولكن أبو صلحان لا يستطيع الجزم بما إذا كان زمن القذافي في السلطة قد ولى.

بنغازي الآن مدينة هادئة بشكل يثير الدهشة، خاصة بالنظر إلى ما شهدته من قصف مدفعي ومعارك وما كانت تضمه قاعدتها العسكرية من مدافع وآليات مدرعة.

ومن البديهي أن طائرات حلف الناتو القاذفة كانت صاحبة جزء كبير من الفضل في كبح جماح قوات الجيش الليبي في منطقة بنغازي.

ولكن يمكن القول إن المنازعات العائلية والقبلية التي لطالما كانت مصدر قلق في ليبيا لا أثر لها الآن في شوارع بنغازي.

حرب طويلة

على مسيرة ساعة ونصف ساعة بالسيارة إلى الغرب من بنغازي ذهبت لمقابلة رجل يدعى محمد أبو نناجة.

كان أبو نناجة قد اعتقل مع ثلة من رفاق عام 1998، ونقلوا إلى طرابلس حيث عذبوا وحرموا من الطعام وحبسوا في زنزانة ضيقة لمدة ثلاث سنوات.

ويقول "كان احتجازا غبيا ، فلم يكن لنا نشاط سياسي، كنت أدرس الطب وكان نشاطنا ينحصر في الاعمال الخيرية والدعوة للمجتمع المدني.. ولكننا كنا منظمين ورأي النظام أن ذلك ينطوي على تهديد".. وأثناء المحاكمة تبين أن القاضي يمت بصلة قرابة بعيدة لمحمد أبو نناجة، ولكن ذلك لم يمنع صدور حكم بالسجن لمدة عشر سنوات، ولم يفرج عنه إلى في أواخر 1996 .

ويتذكر قائلا "عدت إلى منزلي خائفا ووجدت والدي خائفين كذلك..كنت أشعر أني ميت وكأنه لم يعد هناك معنى للحياة".

وأثناء حديث أبو نناجة كانت الشمس قد ولت بوجهها نحو البحر، وشرع الجميع من حولنا في الاستعداد لجولة جديدة من الخطابة الحماسية والأغنيات الوطنية.

وقال أبو نناجة "أعتقد أننا مقبلون على حرب طويلة .. لقد كانت أخطر جرائم القذافي هو أنه انتزع منا أحلامنا.. ولكننا استرجعناها الآن ولن نسمح بضياعها ثانية".