مؤتمر بون الثاني وتحدي السلام داخل أفغانستان

من مؤتمر بون 2001 عن أفغانستان مصدر الصورة AP
Image caption من المتوقع أن تعيد المحادثات في بون التأكيد على التزام المجتمع الدولي بمساعدة أفغانستان بعد 2014

قبل عشرة أعوام عقد مؤتمر في مدينة بون الألمانية لوضع نهاية للحرب الأفغانية، وساعد هذا المؤتمر على تشكيل أول حكومة في أفغانستان بعد حقبة طالبان.في هذا التقرير يدرس الكاتب أحمد راشد إمكانية ضمان تحقيق سلام على المدى الطويل داخل أفغانستان من خلال مؤتمر آخر في بون، وذلك على الرغم من انسحاب باكستان، التي تعد أحد أهم الأطراف المعنية بالشأن الأفغاني.

ومن المتوقع أن تعيد المحادثات في بون التأكيد على التزام المجتمع الدولي بمساعدة أفغانستان بعد 2014، حيث يفترض حينئذ أن تكون معظم القوات العسكرية الغربية قد غادرت البلاد.

ويعتبر مثل هذا الالتزام أمرا هاما للكثير من الأفغان الذين يخشون انهيار النظام بعد 2014، كما يخافون من أن تكون المساعدات غير كافية.

وكانت هناك آمال في حدوث اختراق والتوصل إلى مصالحة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان للخروج من سلسلة من المؤتمرات العقيمة خلال العام الحالي، إلى أن انسحبت باكستان من المؤتمر. واتخذت الحكومة الباكستانية قرار عدم المشاركة استجابة لضغوط من الجيش الباكستاني بعد مقتل 24 جنديا باكستانيا في غارة للناتو على نقطة تفتيش حدودية. وقد قامت باكستان بوقف إمدادات الناتو إلى أفغانستان، وتسود حاليا حالة من الصخب داخل باكستان، ويسكب الجيش الباكستاني الزيت على النار.

محادثات من دون باكستان

ولا يزال البعض يأمل في حدوث اختراق مع الإعلان في بون عن أن حركة طالبان والولايات المتحدة وقطر وألمانيا يوافقون على افتتاح مكتب لحركة طالبان بالعاصمة القطرية الدوحة حتى يمكن استمرار المحادثات بين كافة الأطراف بوتيرة أكثر استدامة.

ولكن يعتمد الكثير على سرعة توصل الأميركيين إلى اتفاق فيما بينهم، حيث أنهم منقسمون بشدة إزاء فكرة إجراء محادثات مع حركة طالبان. ويوجد خلاف بين وزارة الخارجية الأمريكية والبنتاغون الراغب في استمرار القتال حتى 2014.

ولكن تمثل باكستان، التي يوجد داخلها الكثير من قيادات حركة طالبان، معاملا هاما في أي تسوية داخل أفغانستان. فبدون تعاون الجيش الباكستاني مع الأفغان والمجتمع الدولي، وبدون تحسن العلاقات الأمريكية الباكستانية المتردية، ربما تواجه المصالحة مأزقا، إذ تتمتع باكستان بنفوذ يفوق ما لدى أي دولة أخرى.

وتأتي باكستان بين ما يُعرف بـ"مجموعة الاتصال" الدولية الهامة، وهي مجموعة تضم أفغانستان والولايات المتحدة.

وتتخذ كافة المجموعات الهامة التابعة لحركة طالبان وقيادات هذه المجموعات من باكستان مقرا لها، على الرغم من إنكار إسلام آباد ذلك.

ويمكن للجيش الباكستاني التأثير عليها فيما يتعلق بالتعاون أو عدم التعاون مع الجهود الدولية الرامية إلى دفعهم للجلوس على طاولة المفاوضات.

مصدر الصورة AFP Getty
Image caption قاطعت باكستان مؤتمر بون احتجاجا على مقتل جنود باكستانيين في هجوم أمريكي

وترغب باكستان في أن يكون لها دور بارز في أي مفاوضات أمريكية مع طالبان، كما أنها بالفعل على خلاف مع الأمريكيين بسبب إجراءهم محادثات سرية مع حركة طالبان، ولعدم التعامل مع باكستان بقسط وافر من الثقة. ومع ذلك تدرك كافة الأطراف أنه من دون تعاون باكستان لن يمكن الوصول إلى اتفاق سلام. كما تلاشت الآمال بإرسال حركة طالبان ممثلين لها لحضور مؤتمر بون الثاني بسبب عدم إحراز تقدم في المحادثات السرية، وذلك بعد اغتيال برهان الدين رباني، كبير مفاوضي السلام، في سبتمبر/أيلول الماضي.

وتقول مصادر مطلعة إن المحادثات السرية بدأت في وقت سابق من العام الحالي بين الولايات المتحدة وحركة طالبان. واستمرت هذه المحادثات، التي ساعد على التوصل إليها ألمانيا وقطر، بعد مقتل رباني، ولكن كان التقدم خلالها بطيئا.

مخاوف اقتصادية

وعلى الرغم من غياب باكستان، يجب على المندوبين التعهد خلال مؤتمر بون الثاني بمعالجة مشاكل سيخلفها التحالف الغربي وراءه في أفغانستان، ومساعدة الأفغان في الوصول إلى حلول لها.

ويشارك في مؤتمر بون الثاني عدد كبير من المسؤولين، حيث يأتي 90 وزير خارجية، ومعهم 1000 مندوب، و34 ممثلا لهيئات المجتمع المدني في أفغانستان، و3000 صحافي.

وقد بدأت أعمال المؤتمر في الثالث من ديسمبر/كانون الأول الجاري باجتماع ممثلي المجتمع المدني في أفغانستان مع نظرائهم الألمان.

وفي اليوم التالي، تعقد اجتماعات سياسية بين الأفغان وبعضهم بعضا، بالإضافة إلى اجتماع لمجموعة الاتصال، لينتهي المؤتمر بصياغة كافة المندوبين إعلان النوايا لمؤتمر بون الثاني.

ولا شك في أن الدول التسعين ستعرب عن موافقتها على استمرار المساعدات الاقتصادية، وتدريب القوات المسلحة الأفغانية، والمساعدة في حكم البلاد بعد 2014.

مصدر الصورة Reuters
Image caption تحتاج القوات الغربية لتدريب الجيش الأفغاني على ضبط الأوضاع في البلاد بعد 2014

ولكن يشك الكثير من المسؤولين الأفغان في استمرار المساعدات الاقتصادية على ضوء الركود الاقتصادي داخل أوروبا والولايات المتحدة. بيد أن هنالك ثمة مشاكل عدة يتجاهلها المجتمع الدولي، وأولها خطر حدوث انهيار اقتصادي داخل أفغانستان بعد رحيل القوات الغربية.

ويواجه شبح البطالة عشرات الآلاف من الشباب الأفغان الذين يعملون في سفارات وقواعد عسكرية غربية، وهم جيل تولى الغرب رعايته على مدار العقد الماضي.

ويأتي 90 في المائة من ميزانية أفغانستان، التي تبلغ قيمتها 17 مليار دولار أمريكي، عبر تمويل أجنبي.

ويحتاج الجيش الأفغاني، الذي حصل على تدريبات حديثا، من 5 إلى 6 مليار دولار. وتتعهد دول غربية بتقديم دعم في المستقبل، ولكن لم تُتخذ خطوات ملموسة لضمان تقديم هذه الأموال وطمأنة الأفغان.

ولا يمكن للاقتصاد الأفغاني توفير الدعم للمواطنين الأفغان في الوقت الحالي، ناهيك عن البنية التحتية التي قام الغرب ببناءها.

جيران معقدون

ويواجه الأفغان العديد من المشاكل الداخلية، منها التوتر العرقي المتزايد بين البشتون وغيرهم. ويرى بعض الأفغان أن الوضع يتفاقم بسرعة.

كما يتردد الكثير من غير البشتون في قبول المصالحة مع حركة طالبان، ولا تزال تخيم حالة من الضبابية على عملية المصالحة ومستقبل الدستور الأفغاني.

وبحلول موعد الانتخابات الرئاسية داخل أفغانستان عام 2014، والتي لا يمكن للرئيس الحالي حامد كرزاي الترشح لها كونه استنفذ فرصه بدورتين متتاليتين، سيظل المجال مفتوحا أمام كافة الوافدين.

وتوجد دعوات متزايدة إلى إعادة النظر في الدستور، وتغير نظام الدولة من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني.

مصدر الصورة AFP
Image caption هناك حاجة إلى الوصول لاتفاق واسع بين الأفغان قبل رحيل القوات الغربية من البلاد

كما توجد مطالبات بتوزيع سلطات الحكومة المركزية على المحافظات، وبانتهاج اللامركزية والسعي إلى توزيع السلطات. وعلاوة على ذلك، فإنه إذا أفضت محادثات السلام مع حركة طالبان إلى وقف لإطلاق النيران، ومن ثم أجريت مفاوضات للمشاركة في السلطة بين الحكومة وحركة طالبان، فإنه من المحتمل أن ترغب حركة طالبان في إعادة النظر في الدستور وتطالب بإجراء تعديلات. وتريد كافة شرائح المجتمع الأفغاني إجراء تغييرات سياسية خلال العامين المقبلين، ولكن لا يوجد استعداد لذلك من جانب الحكومة الأفغانية أو المجتمع الدولي.

كما يجب إجراء أي تغييرات من هذا النوع عبر نهج سلمي يعتمد النقاش دون الاحتكام إلى السلاح. وتظهر أيضا المشكلة الإقليمية والدور الذي تلعبه الدول المجاورة، والتدخل المستمر من جانب البعض مثل باكستان وإيران والهند. وكان مفترضا أن يلطف مؤتمر اسطنبول الشهر الماضي من حدة التوترات الإقليمية، إلا أنه فاقم منها عبر الكشف عن عمق الخلافات بين الدول.

وفي الواقع، ثمة مخاطر جمة داخل أفغانستان، وهناك حاجة إلى الوصول لاتفاق واسع قبل رحيل القوات الغربية. ويجب على المشاركين في مؤتمر بون الثاني الغوص في كل هذه المشاكل والخروج بأجوبة على بعض التساؤلات.

  • أحمد راشد مؤلف كتاب بعنوان "طالبان" وأعيد إصداره في الذكرى السنوية العاشرة لإصداره، وهو ايضا مؤلف كتاب "الانزلاق إلى الفوضى - الولايات المتحدة والكارثة في باكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى".

المزيد حول هذه القصة