الصراع المحتدم بين الحكومة الباكستانية والمؤسسة العسكرية

زرداري وأوباما مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يتهم زرداري بمحاولة الاستعانة بأوباما ضد الجيش

أشعلت قضية المذكرة المرسلة للولايات المتحدة التي كشف النقاب عنها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فتيل الأزمة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، وأثارت جدلا واسعا في الأوساط الباكستانية لاسيما المعارضة التي قدمت طلب التماس للمحكمة العليا بفتح تحقيق فوري في القضية.

وإذا ما ثبت تورط الحكومة في محاولة الاستعانة بقوة أجنبية ودولة أخرى في الأمور الداخلية مما يمس بأمن واستقرار البلاد فقد يوجه للرئيس الباكستاني آصف زرداري تهمة الخيانة العظمى، وهو هدف تسعى المعارضة لتحقيقه، وتلتقي فيه مع المؤسسة العسكرية للخلاص من الرئيس زرداري بحسب بعض المراقبين.

وقد دفع احتدام الخلاف بين حكومة حزب الشعب والجيش الباكستاني الحكومة إلى دعوة البرلمان الفيدرالي في العاصمة إسلام آباد لعقد جلسة طارئة، في محاولة للخروج بحل لما تواجهه من ضغوط تمارسها السلطة القضائية وتتعاون معها المؤسسة العسكرية.

وعقدت الجلسة بعد يوم من بيان أصدره الجيش انتقد فيه بشدة تصريحات رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني، إذ اتهم الأخير كلا من قائد الجيش ومدير الاستخبارات بتجاوز القانون والحكومة المنتخبة.

جاء ذلك في معرض إجابتهما على الاستفسارات التي وجهتها لهما المحكمة العليا مباشرة حول ما بات يعرف بـ"قضية المذكرة" المزعوم إرسالها من قبل الرئيس زرداري للإدارة الأمريكية عبر سفيره السابق لدى واشنطن حسين حقاني.

وتحث المذكرة الإدارة الأمريكية على التدخل لكبح جماح الجيش خشية من قيامه بانقلاب يطيح فيه بحكومة حزب الشعب ويتيح للعسكر الاستيلاء على السلطة مجددا.

مواجهة مع القضاء

وترزح الحكومة الباكستانية تحت موقف صعب ومحرج إثر رفض الرئيس زرداري في مقابلة مع إحدى المحطات المحلية فتح ملف قانون المصالحة الوطنية أو تطبيق قرارات المحكمة العليا المتعلقة به، الذي يعد أساس الصراع الراهن.

وأشار زرداري في المقابلة إلى أن قانون المصالحة الوطنية "أصبح جزءا من الماضي، ولن تقوم الحكومة بفتح ملفاته مهما كلفها الأمر".

يذكر أن قانون المصالحة الوطنية سنه الرئيس السابق الجنرال مشرف، وتم بموجبه شطب ملفات الفساد عن عدد من الساسة الباكستانيين بمن فيهم الرئيس الباكستاني، لكن المحكمة العليا الباكستانية أعلنت بطلانه، وأمرت بفتح كافة ملفات الفساد التي تم إسقاطها بموجب هذا القانون.

تحذيرات

مصدر الصورة ap
Image caption اتهم رئيس الوزراء قائد الجيش بتجاوز القانون

وقد أجبر بيان الجيش ـ الذي وصف تصريحات رئيس الوزراء بأنها خطيرة وسيكون لها عواقب وخيمة على الأوضاع في البلاد ـ رئيس الوزراء على التراجع عن تصريحاته وتعديل موقفه من المؤسسة العسكرية.

في نفس الوقت عمدت القيادة العامة للجيش إلى عقد سلسلة اجتماعات في مقر القيادة العامة للجيش في مدينة روالبندي، تمخضت عن خطوات أخرى يرى فيها المحلل السياسي شاهد رحمن إنذارا للحكومة، عبر تعيين قائد جديد للواء 111 الذي قاد كافة الانقلابات العسكرية في باكستان.

وأضاف شاهد رحمن قائلا في حديثه للبي بي سي "استيلاء العسكر على السلطة أصبح ثقافة وجزءا من التقاليد الباكستانية، فقد حكم الجيش باكستان منذ تاريخ تأسيس الدولة أي ما يزيد على نصف عمرها".

ويعكس هذا حجم النفوذ الذي يتمتع به الجيش في باكستان، فيما يرى البعض أنه اللاعب الأساسي في صناعة السياسة الباكستانية الخارجية والداخلية، فالجيش يرغب في تنفيذ سياساته التي غالبا ما تلقى معارضة من قبل الحكومة المنتخبة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بالولايات المتحدة الأمريكية أو الجارة الهندية أو العلاقة مع دول الجوار.

انتخابات مبكرة

ويشكل استمرار رفض الحكومة تطبيق قرارات المحكمة العليا إهانة للسلطة القضائية، ما اضطر المحكمة العليا إلى وصف رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير العدل بأن ولاءهم لقرارات حزب الشعب "أهم ومقدم عندهم على التزامهم بالدستور واليمين الدستورية التي أدوها للحفاظ على مصالح البلاد".

ويعني احتدام الخلاف بين المحكمة العليا والحكومة ووصف المحكمة رئيس الوزراء وحكومته بعدم الأمانة والخضوع للدستور عدم شرعية وقانونية الحكومة الحالية، مما يضع الحزب الحاكم أمام خيارين، إما اللجوء لانتخابات مبكرة هربا من الأزمة الراهنة، أو المضي قدما في المواجهة مع توقع إصدار المحكمة قرارا بحل الحكومة لعدم شرعيتها.

وقد يؤدي الخيار الأخير إلى فقدان الحزب الحاكم جزءا من شعبيته، ويقوده إلى خسارة حلفائه، وهو قرار قد تستعين المحكمة العليا بالجيش لتطبيقه وفرضه بموجب ما للمحكمة من صلاحيات نص عليها الدستور.

سيناريو انقلاب عسكري

ويستبعد المحلل السياسي شاهد رحمن مجيئ العسكر لسدة الحكم عبر انقلاب في ظل الظروف الحالية.

فأي استيلاء للسلطة من قبل العسكر ـ وفقا لرأيه ـ سيوصف بالانقلاب على المسيرة الديمقراطية في البلاد، وهذا قد يستدعي فرض عقوبات مالية واقتصادية وسياسية على باكستان التي تعاني من تدهور اقتصادي وأوضاع أمنية متردية.

كما قد يقود ذلك إلى توحيد جهود الأحزاب السياسية لمواجهة المؤسسة العسكرية من خلال عصيان مدني سيحظى من دون شك بدعم خارجي خاصة من واشنطن والدول الغربية.

وهذا قد يؤدي إلى حرمان المؤسسة العسكرية التي باتت تتطلع الى الفصول الأخيرة للحرب في أفغانستان من لعب دور أساسي في صياغة مثل هذا الحل.

المزيد حول هذه القصة