"معاداة السامية" ما زالت حية في المانيا

المانيا مصدر الصورة BBC World Service
Image caption ناشر بريطاني خطط لوضع مقتطفات من كتاب هتلر على منصات بيع الصحف

ماذا يفعل المجتمع اليهودي في ألمانيا تجاه انتشار عناوين الأخبار هذا الأسبوع التي تقول إنه ما زالت هناك مشاعر قوية بمعاداة السامية في المجتمع الالماني، وكيف سيكون رد فعله تجاه خطط لنشر مقتطفات من كتاب أدولف هتلر الذي يحمل عنوان "كفاحي"؟

اليهود في المانيا يعيشون فوق الأرض التي أنتجت المحرقة، وتشير دراسة أكاديمية إلى أنه من بين كل 5 ألمان، يوجد ألماني واحد لديه على الأقل معاداة "كامنة" لليهود.

وفي سياق منفصل في بريطانيا، كان هناك ناشر بريطاني يخطط لوضع مقتطفات من مبادئ هتلر على منصات بيع الصحف، ولكنه تراجع فقط عندما تدخلت محكمة في بافاريا في الأمر.

يمكنك أن تتوقع غضب شديد، لكنك ستكون مخطئا، فبالتأكيد عبرت بعض المجموعات عن غضبها لكنها كانت في الغالب خارج ألمانيا.

وفي ألمانيا نفسها، جرى تناول الموضوع بقدر اكبر من الاتزان، فخلف العناوين الرئيسية للصحف هناك فروق دقيقة وتعقيدات.

وينبغي القول أن في ألمانيا جالية يهودية متنامية، ويمكن القول أيضا أنها أسرع الجاليات اليهودية نموا في أوروبا.

فالعديد من المهاجرين اليهود يأتون من روسيا، ولكن العديد منهم أيضا يأتون من إسرائيل، وهؤلاء أتوا ليعيشوا على أرض آبائهم، وأتوا ليعيشوا على الأرض التي طورد فيها هؤلاء الآباء الى حتوفهم.

هؤلاء يعرفون تاريخهم جيدا، لكنهم في نفس الوقت يعيشون حياتهم ويكسبون أقواتهم.

واحد من هؤلاء هو رافئيل سيلغمان والذي قال لبي بي سي "من المهم أن تكون لك هوية إيجابية، وليس فقط لتقول: عمي قتل هنا."

وقد اطلق سيلغمان منذ فترة وجيزة جريدة يهودية جديدة في برلين وأطلق عليها اسم الصوت اليهودي من ألمانيا.

وأضاف: "الناس يشعرون أنه ليس كافيا أن تكون هويتك محددة بالمحرقة، ونحن نحاول أن نظهر أن الهوية اليهودية أكبر من ذلك. فهي تتعلق بالثقافة والتاريخ والسياسة."

مستقبل يحمل الأمل

وماذا كان رد فعله بشأن الدراسة التي قالت إن 20 في المئة من الألمان يضمرون جزءا من معاداة السامية؟

فكان جوابه: "هذا يشير أيضا إلى أن 80 في المئة منهم لا يضمرون هذا. علينا ان نتسم بالايجابية."

ومن وجهة نظر سيلغمان، كان الماضي فظيعا بالطبع، ويجب أن يتم تذكره والتعلم منه، ولكن الحاضر والمستقبل لا يزالان يحملان الأمل.

ولم تقم الجماعات اليهودية في ألمانيا بإدانة اقتراح بإعادة نشر مقطفات من كتاب "كفاحي" لهتلر. فقد كانوا متشككين بالتأكيد ولكن لم يكونوا غاضبين.

وقال رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا ديتير جرونمان "بالطبع، سيكون من الأفضل ألا تنشر هذه المقتطفات، لكن إذا كان لا بد من نشرها، فيجب أن تكون مصحوبة بتعليقات المؤرخين."

وفي نهاية الأمر، تراجع الناشرون عن نيتهم نشر هذه المقتطفات لأن محكمة قضائية في بافاريا تدخلت في الأمر، ومن المنتظر أن تصدر قرارها في هذا الشأن.

ورغم ان نشر كتاب هتلر "كفاحي" ليس محظورا قانونا، ولكن حكومة بافاريا تمتلك حقوق الملكية الفكرية، وقد ألمحت بمعارضتها لذلك.

ولكن هؤلاء الذين لا يرتاحون لنشر مثل هذه المقتطفات يبدو أنهم يدركون أيضا أن دار النشر البريطانية ليست لديها أجندة معادية للسامية، ويقول جرونمان إن المقتطفات ستظهر فقط "النوعية السيئة والمرتبكة لعمل أنتجه عقل منحرف تماما."

وفي العام الماضي، نشرت جامعة بيلفيلد نتائج استطلاع قامت به في عدة دول اوروبية، والذي كان يقيس المواقف المختلفة نحو اليهود والمسلمين وغيرهم من ضحايا ما يطلق عليه "العداء المركز ضد مجموعة ما".

وقد انتهت الدراسة إلى أن "العداء الموجه نحو مجموعة ما منتشر في أوروبا، وهو أضعف ما يكون في هولندا، وأقوى ما يكون في بولندا والمجر."

وقال الباحثون الذين قاموا بهذا الاستطلاع إن المعاداة للسامية كانت أقوى ما يكون في بولندا والمجر.

وأضافوا "في البرتغال، وتتبعها بشكل قريب ألمانيا، تعد المعاداة للسامية أقوى من أية دولة أخرى من دول أوروبا الغربية."

"وفي إيطاليا وفرنسا، كانت اتجاهات المعاداة للسامية بشكل عام أقل انتشارا من باقي دول أوروبا في المتوسط، بينما كانت اتجاهات معاداة السامية أقل في بريطانيا وهولندا."

توترات اقتصادية

وهناك شعور منتشر ولكن ليس هو الأغلب ضد المهاجرين والمسلمين في أنحاء أوروبا مع وجود اختلافات قليلة بين الدول، اما فيما يخص معاداة السامية، فهي ترتفع كلما اتجهنا شرقا فيما عدا البرتغال التي تتصف بارتفاع المشاعر المعادية لليهود رغم موقعها غربي القارة الاوروبية.

ويبدو أيضا أن التحيز يزداد سوءا، ويقول عالم الاجتماع ويلهيلم هيتماير من جامعة بيلفيلد إن اللوم في ذلك يقع على الظروف الاقتصادية الصعبة.

فقد قام هذا العالم بإجراء أبحاث على الاتجاهات المختلفة في ألمانيا خلال العشر سنوات الماضية، ونشر نتائج أبحاثة بشكل سنوي في كتاب بعنوان أحوال ألمانيا.

وانتهي في أخر كتاب له إلى أن الكراهية للأجانب في ازدياد "وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2008."

وقال أيضا إن هناك اتجاه يسمى "بغض نوع معين من البشر" لم يكن فقط ضد اليهود أو المسلمين، و إنما أيضا ضد العاطلين عن العمل لفترة طويلة.

وقال أيضا إن هذا الاتجاه لم يرتفع ضد المثليين الجنسيين أو النساء مثلا في ألمانيا، ولكنه ارتفع ضد العاطلين عن العمل لفترات طويلة وأيضا ضد بعض الأقليات العرقية.

ويشير إلى أن الألمان على ما يبدو يبحثون عن آخرين ليعبروا عن الغضب ضدهم عندما يمرون بأوقات صعبة. وهم ليسوا وحدهم في ذلك بلا شك.

لكن هناك طريقة واحدة تختلف فيها الاتجاهات لدى الألمان عن غيرهم في البلاد الأخرى.

ففي دولة تزيد فيها الهجرة مثل بريطانيا والولايات المتحدة، لا يرتبط تعريف الهوية الوطنية فيها بعرق معين.

وفي أمة تعيش في جزيرة مثلا، وبها مهاجرون منذ ألف عام، يصبح من الصعب جدا تحديد من ينحدر من أين بدقة.

اما في المانيا، فقد كان قانون منح الجنسية الالمانية يعتمد على علاقات الدم، اي انك لن تحوز على الجنسية الالمانية ما لم يكن احد والديك المانيا.

ولم يغير هذا القانون الا بعد ان بزغت مشكلة الجالية التركية الكبيرة في المانيا، فقد تيقن الالمان الى استحالة حرمان اجيال كاملة من ذوي الاصول التركية من الجنسية بدعوى ان والديهم ليسوا المان.

مع ذلك، ما زالت الميول العنصرية قوية عند الكثير من الالمان.

المزيد حول هذه القصة