تشو يوغوانغ: الرجل الذي اتاح للعالم تعلم الصينية

تشو يوغوانغ مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يبلغ تشو يوغوانغ من العمر 106 سنوات

قد يجهل الطلاب الذين يجاهدون في سبيل تعلم اللغة الصينية ذلك، ولكن عمل رجل واحد، هو تشو يوغوانغ، قد يسر عليهم مهمتهم الى حد كبير.

فتشو هو احد مخترعي لغة (البِن ين)، وهو الخط الذي يحول الرسوم التي تتكون منها اللغة الصينية الى كلمات باستخدام حروف لاتينية مما يجعل من اليسير تعلم نطق الكلمات الصينية. ويعود لاختراع (البن ين) الفضل في القضاء على الامية في الصين.

ولكن رغم انجازاته الكبيرة، ما زال تشو يوغوانغ مجهولا تقريبا في وطنه الام.

قد يكون ذلك بسبب انفته وكبريائه، فتشو يوغوانغ البالغ من العمر 106 اعوام، يرفض ان يعترف له الآخرون بالفضل كما يرفض ان يتزلف للحزب الشيوعي الحاكم في البلاد.

فتشو ينتقد الحزب دون وازع، وهو قد بلغ من العمر حدا يجعله لا يأبه بمن يستمع الى انتقاداته.

وقال تشو في مقابلة اجرتها معه بي بي سي في مسكنه البسيط في العاصمة الصينية "ما الذي بوسعهم ان يفعلوه؟ يعتقلوني؟"

تزامنت حياة تشو الطويلة مع معظم الاحداث الجسام التي شهدها تاريخ الصين الحديث عندما انتقلت البلاد من امبراطورية الى جمهورية شعبية الى دولة رأسمالية بامتياز.

ولد تشو عام 1906 لاسرة ميسورة الحال فقدت ثروتها مرات ثلاث: الاولى تحت حكم اسرة تشينغ الامبراطورية والثانية اثناء الحرب العالمية الثانية والمرة الثالثة ابان الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التي قادها الزعيم ماو زيدونغ.

ومع ذلك، تمكن تشو من الحصول على مستوى جيد من التعليم، فقد درس الاقتصاد في جامعة سنت جونز، التي كانت واحدة من ارقى المؤسسات التربوية في مدينة شنغهاي في عشرينيات القرن الماضي.

وقضى تشو عدة سنوات من شبابه في الولايات المتحدة حيث كان يعمل في احد المصارف الصينية. ويصف تشو تلك التجربة بالقول وهو يضحك "كان ذلك في رقم واحد وول ستريت - معقل الامبريالية."

نظرة ايجابية

وفي حقيقة الامر، فإن تشو يضحك كثيرا، ربما بسبب نظرته الايجابية المنفتحة للامور، إذ يقول "هناك اوجه جيدة حتى للاشياء السيئة."

ولكن ذلك لا يعني ان حياة تشو كانت دائما على ما يشتهي، فابنته توفيت نتيجة انفجار الزائدة الدودية قبل عيد ميلادها السادس، كما تعرض، كغيره من المثقفين، للملاحقة ابان الثورة الثقافية في الستينيات حيث ارسل الى الارياف "ليتعلم من الجماهير." وبالفعل، قضى تشو عدة سنوات وهو يعمل مزارعا في اقليم نينغشيا الفقير غربي البلاد.

يقول تشو ضاحكا "كانت مضيعة للوقت حرمتني من انجاز اشياء اخرى."

ولكن رغم الصعاب والمعاناة، خدم الحظ تشو خدمة كبيرة.

كان تشو يعمل في الولايات المتحدة عام 1949، عندما انتصر الشيوعيون واسسوا جمهورية الصين الشعبية. وقرر، مثله مثل الكثيرين من الصينيين، ان يعود الى الصين ليشارك في بناء وطن جديد.

لدى عودته، عمل اولا استاذا للاقتصاد في جامعة فودان، ولكن في عام 1955 وجهت له الدعوة للانضمام الى لجنة في العاصمة بكين متخصصة في تبسيط اللغة الصينية.

رفض تشو هذه الدعوة في البداية، قائلا إنه يفتقر الى الخبرات العملية الضرورية للعمل في هذا المجال، الا ان احد اصدقائه اقنعه بالقبول. كان ذلك قرارا ربما انقذه من الموت لاحقا.

فبعد مضي سنوات قليلة، شن ماو حملة تطهير كبيرة طالت الكثيرين ممن عادوا الى الصين من الخارج.

يقول تشو "اتهم الاساتذة الجامعيون الذين عادوا من الولايات المتحدة بأنهم يمينيون، وقد انتحر كثيرون منهم اصدقاء لي. ولكن لحسن الحظ لم تطالني هذه الحملة."

وكانت تلك احدى المناسبات القليلة التي لم يضحك فيها.

الا ان العمل الذي اداه في اللجنة التي انضم اليها لم ينقذ حياته فحسب، بل اتاح له ان يسهم مساهمة كبيرة في تطوير اللغة الصينية.

فعندما بدأ تشو عمله في ابتكار وتطوير لغة (البن ين)، كان 85 في المئة من الصينيين اميون لا يجيدون القراءة والكتابة، اما الآن لم يتبق الا عدد قليل من الصينيين كذلك.

ورغم المحاولات التي قام بها آخرون للربط بين الكلمات الصينية والحروف اللاتينية، كان النظام الذي ابتكره تشو ورفاقه هو النظام الذي أخذ به والذي حاز على اعتراف دولي.

تاريخ حي

التقى تشو في حياته الطويلة بالعديد من الشخصيات التاريخية.

وواحدة من قصصه المفضلة التي يحب ان يرويها تتعلق ببو يي، آخر امبراطور صيني الذي اصبح مواطنا عاديا بعد الثورة.

فتشو كان يوما ما ينتمي الى جهة تسدي النصح للحكومة، وهي وظيفة تتيح له تناول الطعام في المطعم الخاص بالهيئة في بكين. كانت تلك الفترة تتسم بشح الغذاء في الصين، ولذلك كان تشو يأخذ زوجته معه ليتناولا طعامهما في ذلك المطعم.

يقول تشو "كان هناك رجل عجوز يجلس الى جواري في المطعم، وكان هناك مع زوجته هو ايضا. لقد كان بو يي، الامبراطور الاخير. تصور، حتى الامبراطور كان يأكل في ذلك المطعم لانه لم يكن يعثر على ما يسد به رمقه."

يقول تشو إن الحزب الشيوعي لن يحكم الصين الى الابد، ويضيف "على الصين ان تحرر نفسها من الشيوعية، إذ ينتظرها مستقبل قاتم اذا لم تفعل."

تعتبر هذه ادانة صريحة من رجل عاد الى الصين من الخارج لأنه صدق اقوال الزعماء الشيوعيين بأنهم ديمقراطيون.

ولكن هل هو نادم على قراره بالعودة؟

يقول "صدقنا كلمات ماو، ولكننا لم نكن نعلم انه سيتحول الى اسوأ ديكتاتور بمجرد تسلمه السلطة."

الا انه يردف قائلا "ولكني غير نادم على العودة، إذ لا فائدة من الندم." ويضحك مرة اخرى.

المزيد حول هذه القصة