"القاعدة" تخسر المعركة والحجة معا

القاعدة مصدر الصورة BBC World Service

نشر مركز الاتصالات الاستراتيجية لمحاربة الارهاب التابع لوزارة الخارجية (الامريكية) في العام الماضي شريطا مصورا قصيرا في موقع (يوتيوب) يظهر مقاطع من المشاركات الشبابية في الاحتجاجات التي عمت الشرق الاوسط في السنتين الاخيرتين.

وضمن المركز الشريط مقاطع تظهر زعيم تنظيم القاعدة الراحل اسامة بن لادن وهو يتابع هذه الاحتجاجات من خلال جهاز تلفزيون وهو يقبع في مخبئه بباكستان. كان بن لادن في تلك الفترة ما يزال شخصية ذات وزن على النطاق العالمي، ولكنه فقد قدرة الفعل بل اصبح مشاهدا ومتابعا لاحداث واجندات يكتبها ويصوغها آخرون في اماكن مختلفة.

والآن وقد مر عام على رحيل بن لادن، نرى التنظيم الذي اسسه، "تنظيم القاعدة" يحاول جاهدا البقاء على قيد الحياة، وكما قال وزير الدفاع (الامريكي) ليون بانيتا في الصيف الماضي "اصبحنا قاب قوسين او ادنى من هزيمة تنظيم القاعدة."

فقيادات التنظيم ما فتئت تتعرض للملاحقة والتصفية، اما كوادره فليست بالقوة والصلابة التي كانت عليها في يوم من الايام.

فبالرغم من انها ما زالت تستطيع حض او تشجيع الآخرين على تنفيذ الهجمات، ثمة علامات استفهام جدية حول ما اذا كانت القاعدة ما زالت لها القدرة التي كانت تتمتع بها في عام 2001.

فالكثير من قدرات تنظيم القاعدة العملياتية قد انيبت لوكلائها وشركائها في العراق واليمن والمغرب والصومال حتى نيجيريا اضافة الى افغانستان.

وما من شك ان هذه التظيمات الفرعية اثبتت قدرتها على الامساك بالارض في مناطق نفوذها واستخدامها لتحدي السلطات في تلك المناطق وحتى خارجها.

وقد حاول تنظيم القاعدة استغلال الصحوة العربية الاخيرة للعودة الى واجهة الاحداث، وذلك عن طريق تنفيذ الهجمات في سوريا ضد نظام بشار الاسد وحكومة المالكي في العراق ونظام الحكم الانتقالي في اليمن.

بعبارة اخرى، لم ينته الصراع المسلح مع تنظيم القاعدة بعد.

ولكن الولايات المتحدة وحليفاتها بدأت بالتصرف باساليب اكثر ذكاء وفطنة وحساسية، وذلك بتجنب الافعال التي قد يستغلها التنظيم لمصلحته (عدا قضية حرق المصاحف طبعا).

فالانسحاب الامريكي من العراق سحب البساط من تحت ارجل القاعدة بازالة واحد من اهم المبررات التي كانت تستخدمها لتجنيد الاتباع والمؤيدين، فغزو واحتلال العراق اكدا نظرية القاعدة القائلة إن الولايات المتحدة انما تخوض حربا ضد الاسلام ككل.

اما الآن، فتقوم الولايات المتحدة باستخدام قوتها العسكرية بصورة اكثر حكمة وحذرا.

فالعمليتان اللتان تمت بموجبها تصفية بن لادن وانور العولقي (الامريكي اليمني الاصل الذي قتل في غارة نفذتها طائرة امريكية بلا طيار في سبتمبر / ايلول الماضي) تعتبران نموذجا للعمليات ذات البعد الاستراتيجي التي يمكن تنفيذها دون الحاجة الى وجود قوات عسكرية على ارض المعركة.

وبينما دأب خليفة بن لادن، ايمن الظواهري، على اصدار ونشر سيل متواصل من الرسائل والاشرطة في السنة الاخيرة، لم يتمكن من اعتلاء مسرح الاحداث مثل سلفه.

وعلى العكس من التدخل الامريكي في العراق على سبيل المثال، لم تتدخل ادارة اوباما في ليبيا الا بعد ان حصلت على دعم وتأييد قوي من دول المنطقة - اضافة الى قرار لمجلس الامن وفر للتدخل شرعية دولية.

وحاول تنظيم القاعدة استغلال غياب القذافي، ولكنه وجد نفسه مصطفا في نفس معسكر ثوار بنغازي - وحلف شمال الاطلسي.

ومع ذلك، وسياسيا على الاقل، يبدو تنظيم القاعدة بعيدا عن مسرح الاحداث ينظر الى الاحداث عن بعد.

فلم يكن للقاعدة اي دور في التغييرات التاريخية التي شهدها العالم العربي في السنة الاخيرة.

وستزداد البيئة السياسية صعوبة بالنسبة للقاعدة في المستقبل، وسيجاهد التنظيم في سبيل الاحتفاظ بمبررات وجوده في بيئة سياسية متجددة الطاقة واكثر تنافسية مما كانت عليه وغير متقبلة لفكر التنظيم مقارنة بما كانت عليه منذ سنوات خمس خلت.

يشير مارك لنش، الاستاذ في جامعة جورج واشنطن، في كتبه الجديد (الانتفاضة العربية) الى الخطاب الاحتجاجي المشترك الذي اجتاح المنطقة، وهو خطاب لم تلعب القاعدة دورا في صياغته بل وانها ليست جزءا منه بالمرة.

فلقد كفت اغلبيات مؤثرة في العالم الاسلامي عن شراء البضاعة التي كان يسوقها بن لادن واتباعه حتى قبل مقتله، حيث لا تريد الغالبية العظمى من المسلمين ان تعيش في عالم كالذي كان ينادي به زعيم القاعدة.

كما تبين جليا للمسلمين - وهذا يعتبر نجاحا للدعاية الامريكية - ان معظم الذين يقضون في العمليات التي ينفذها تنظيم القاعدة مسلمون.

اضافة لذلك، ستتكفل الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية في المنطقة بتقويض رسالة القاعدة الجهادية.

فقد كان بن لادن يقول إن المقاومة المسلحة هي الطريق الوحيد للاصلاح السياسي والاجتماعي، ولكن شعوب مصر وتونس واليمن وليبيا اثبتوا وجود بديل آخر.

ففي هذه الدول وغيرها، تسعى مجاميع كانت مهمشة لفترات طويلة الى بناء مجتمعات مدنية وهياكل سياسية بدل تفجيرها كما كان يدعو اليه بن لادن.

ومن المؤكد ان هذه الاجواء الجديدة ستشكل تحديا للولايات المتحدة ايضا.

فتدني شعبية تنظيم القاعدة لم تؤد الى تغير كبير في النظرة الى السياسات الامريكية، رغم الدعم القوي الذي وفرته ادارة اوباما للانتفاضات العربية.

ولذا، يتعين على الولايات المتحدة ان تعدل من سياساتها وتأخذ الرأي العام العربي والاسلامي في حسبانها بشكل اكبر مما كانت في الماضي.

اما التحديات التي ستواجهها القاعدة فستكون اكبر بكثير، فالعالم العربي الجديد سيسير في اكثر من طريق، ولكن، وبفضل الجو السياسي الجديد المتسم بالسلمية والتسامح، ستكون كل هذه الطرق ابعد ما تكون عما كان ينادي به بن لادن واتباعه.

اضافة لذلك، تتزايد حدة المنافسة في العالم الاسلامي حول الطريق الذي ينبغي ان يختطه الاسلام السياسي في المستقبل.

وستشوب هذه المنافسة اخطاء عديدة، ولكن الاخذ والرد بين الجماعات المختلفة سيكون له تأثير مهديء.

من جانبها، سيتعين على الولايات المتحدة ان تفكر استراتيجيا وتقبل بهذه العملية على علاتها، وعليها التواصل مع الزعماء الجدد والشعوب التي يمثلونها.

فهذا مسرح جديد ستواجه القاعدة فيه صعوبة كبيرة في التنافس، ومن المؤكد انها لن تزدهر فيه البتة.

المزيد حول هذه القصة