عام على مقتل بن لادن: هل تغير شيء؟

بن لادن مصدر الصورة BBC World Service
Image caption ابت آباد الباكستانية، حيث كان يختبئ بن لادن حتى اغتياله

عام مضى على مقتل أسامة بن لادن الرجل الذي تصدر قائمة المطلوبين لسنوات، وكان يشكل خطرا بالنسبة للولايات المتحدة.

مما لا شك فيه أن مقتل بن لادن أحدث فجوة كبيرة في صفوف تنظيم القاعدة.

ورغم تحدث بعض التقارير عن تخلي بن لادن عن العمل القيادي قبل مقتله، فإن اغتياله لم يسهم في تقليص شعبية تنظيم القاعدة في الشارع الباكستاني، بل زاد التعاطف مع التنظيم، وزاد من مشاعر العداء للولايات المتحدة.

فالشارع الباكستاني بات ينقسم إلى ثلاثة اقسام: الأول يرى أن اسامة بن لادن كان شخصا صالحا ذا نوايا حسنة، وهمه مصلحة الإسلام والمسلمين، بل ذهب هذا القسم إلى الدفاع عن بن لادن، ورد اقوال الرئيس الأمريكي بارك أوباما التي رأت فيها هذه الشريحة محاولة لتشويه سمعة "بطل اسلامي" على حد وصفهم.

اما القسم الثاني فكان مؤيدا لاغتيال بن لادن، ويقول إن اغتياله تأخر كثيرا. ومن وجهة نظر هذه الشريحة، ما قام به بن لادن من أعمال إرهابية، لا زال يعاني المسلمون من أثارها وتبعاتها السلببية على حد تعبيرها، بل هي سبب لما تعانيه باكستان وأفغانستان من أزمات.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption مؤيدون لبن لادن في كويتا

أما القسم الثالث فبات يؤمن بنظرية المؤامرة، وحسب اعتقاد هؤلاء فان اسامة بن لادن ليس إلا عميل لجهاز الاستخبارات الأمريكية، تم استخدامه لتحقيق الولايات المتحدة الأمريكية اهدافها في المنطقة، والسعي للتخلص منه عندما تحقق تلك الاهداف.

ويقول عناية الله كاكر العضو السابق في حركة طالبان، والباحث في شؤون القاعدة في حديث مع البي بي سي إن فكر القاعدة أو ما بات يعرف بـ "أيديولوجية" القاعدة بدأت في الانتشار بعد مقتل بن لادن زعيم التنظيم، ولم يقتصر الانتشارعلى باكستان وأفغانستان فحسب، كونهما المحتضن الرئيسي لزعامات ومؤسسي التنظيم، بل تخطى هذه الرقعة الجغرافية.

مراكز ابحاث

وبعد مرور عام على مقتل بن لادن، فإن الدراسات التي نشرتها مختلف مراكز الأبحاث الأمريكية، تشير إلى أن تنظيم القاعدة لازال يشكل تهديدا على الأمن القومي الأمريكي، رغم مقتل زعيمه، تهديد ليس على الداخل الأمريكي فحسب، وإنما على المصالح الأمريكية في أنحاء العالم.

وتفند هذه التقييمات ما تقوله إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالنجاح في القضاء على تنظيم القاعدة، وهي طروحات تمثل في نظر الكثيرين فرصة يعزز من خلالها أوباما ترشحه لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، للحصول على قدر أكبر من أصوات الناخبين.

وتقول محللة الشؤون الدفاعية عائشة صديقة إن شيئا لم يتغير منذ مقتل أسامة بن لادن، وفي الواقع إن نفوذ الجماعات المتطرفة قد زاد، وليس شرطا أن يكون هذا الازدياد ناجما فقط عن مقتل بن لادن، بل هناك عدد من العوامل الأخرى ساهمت في ذلك، وأهم هذه العوامل سماح السلطات الباكستانية لمثل هذه الجماعات والتنظيمات بالعمل من داخل الأراضي الباكستانية، رغم نفي الجهات الرسمية بشكل متكرر لمثل هذه المزاعم.

ومع تأخر نتائج التحقيقات التي تجريها لجنة أبت آباد برئاسة القاضي المتقاعد جويد إقبال، فإن ملابسات عملية اغتيال بن لادن وتواجده داخل الأراضي الباكستانية لا زالت غامضة.

وتبقى الشكوك حول تواطؤ محتمل لأجهزة الاستخبارات الباكستانية في إخفاء بن لادن طيلة السنوات الماضية قائمة، لكن حيثيات هذا التواطؤ المحتمل تبقى غير معلومة مع غياب الأدلة لاسيما أن الجانب الأمريكي أكد على عدم وجود أدلة تشير إلى تورط باكستان.

ومع ذلك فإن المروجين لنظرية تورط المخابرات الباكستانية يثيرون تساؤلا مهما، وهو: كيف يمكن لشخص بن لادن المطلوب عالميا الاختباء قرب أكاديمية عسكرية دون مساعدة أو علم السلطات الباكستانية؟!

إنجاز أمريكي

مقتل بن لادن في عملية نفذتها قوات النخبة الأمريكية داخل الأراضي الباكستانية في مايو/ايار الماضي، قد تكون له ثمار إيجابية بالنسبة للولايات المتحدة، والوجود الأمريكي في أفغانستان.

فقد منح مقتل بن لادن الإدارة الأمريكية قوة تمكنها من القول في هذا الوقت الحساس الذي تخوض فيه القوات الأمريكية قتالا ضد طالبان والقاعدة، إن هدف الحرب التي بدأت قبل قرابة عقد من الزمن قد تحقق، مما يسهل ويمهد عملية انسحاب القوات الأمريكية والدولية من أفغانستان بحلول صيف عام 2014، ويضمن في الوقت ذاته انسحاب مشرفا لهذه القوات.

وتذهب عائشة صديقية في حديثها إلى القول إن الحقيقة مختلفة تماما عما هو الحال عليه على أرض الواقع، فالقوات الأمريكية والدولية لم تحرز أي تقدم ملموس في أفغانستان، إذ ان حركة طالبان لازالت قوية ونشطة، وتتمتع بقدرة على شن هجمات حتى داخل العاصمة كابول التي تعد حصنا أمنيا، وبداية هجمات الربيع دليل على ذلك.

وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر من الحدود، فإن هناك أيضا جماعات مسلحة أخرى تنشط، وتتخذ من مناطق القبائل الباكستانية ملاذات آمنة لها، فلم يتغير شيئ مع مقتل بن لادن.

علاقات على المحك

اسهمت الغارات الصاروخية في تكبيل وشل نشاط قيادات القاعدة المتواجدة في باكستان على طول الحدود الوعرة المشتركة مع أفغانستان، خاصة منطقة وزيرستان الشمالية والجنوبية، ونجحت هذه الغارات التي تشنها طائرات تجسس بدون طيار، تحت إشراف وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي اي ايه" في تصفية عدد من رموز وقيادات القاعدة، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة إنجازا كبيرا في الحرب الجارية ضد ما يوصف بالإرهاب.

لكن تبقى هذه الغارات نقطة خلاف بين باكستان وحليفتها الأمريكية، إذا ترى فيها باكستان انتهاكا لسيادة أراضيها، بيما تراها واشنطن قانونية وشرعية لما تحققه من نتائج إيجابية، بالرغم من تنديد السلطات الباكستانية وإدانتها لهذه الغارات التي حسب قولها تؤدي إلى سقوط العديد من الأبرياء.

فقد ساهمت بارتفاع حدة التوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية شعبيا ورسميا، خاصة بعد الغارة الأمريكية في السادس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي التي استهدفت نقطة حراسة تابعة للجيش الباكستانية في منطقة سلالة الواقعة في منطقة مهمند القبلية المحاذية للحدود مع أفغانستان، وأسفرت عن مقتل 26 جنديا باكستانيا.

وساهمت هذه "الانتهاكات" الأمريكية المتكررة إلى حد كبير في نزع ثقة الشارع الباكستاني بالحكومة والمؤسسة العسكرية، وبحسب قول الرائد المتقاعد والخبير العسكري محمد مجتبا فإن "تهاون الحكومة والجيش في الحفاظ على السيادة الوطنية الباكستانية، عزز من هذه المشاعر الشعبية، مما دفع الحكومة والعسكر إلى تبني الموقف الشعبي المطالب بضرورة وقف هذه الغارات."

حادثة سلالة جاءت لتزيد من تأزم العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد، فقد ذهبت الأخيرة إلى إغلاق معابرها الحدودية في وجه إمدادات قوات حلف شمال الأطلسي العاملة في أفغانستان، كإجراء احتجاجي على الانتهكات المتكررة لسيادة باكستان، فيما ذهب الساسة في باكستان إلى إعادة النظر في طبيعة التعاون مع الولايات المتحدة.

المزيد حول هذه القصة