رحل المقرحي وترك وراءه لغز لوكيربي

عبد الباسط المقرحي مصدر الصورة AFP
Image caption كان المقرحي الشخص الوحيد الذي ادين بتفجير طائرة لوكيربي

بينما كان طاقم الرحلة الجوية 103 التابعة لشركة بان أمريكيان يستعد لتقديم العشاء للركاب، انفجرت الطائرة على ارتفاع ستة أميال فوق اسكتلندا.

وكان كثير من الركاب البالغ عددهم 259 راكبا متجها إلى الولايات المتحدة لقضاء أجازة أعياد الكريسماس.

وقالت الولايات المتحدة وبريطانيا إن الليبي عبد الباسط المقرحي كان مسؤولا عن هذا العمل المريع.

ثم جاءت محاكمة المقرحي ومواطنه الأمين خليفة فحيمة على إثر أكبر تحقيق جنائي في تاريخ بريطانيا.

لكن ما زالت أسئلة هامة حول التفجير بلا إجابة حتى الآن.

انتقام

لم تكن ليبيا المشتبه الأول فيه، فقد أشارت أدلة أولية إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة التي اتهمت بأنها تعمل لحساب إيران.

وقيل إن تفجير الطائرة جاء انتقاما لإسقاط سفينة حربية أمريكية طائرة ركاب إيرانية في يوليو / تموز 1988 قتل فيها 290 شخصا.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1988، قامت داهمت شرطة ألمانيا الغربية عدة شقق بالقرب من فرانكفورت حيث كانت الجماعة الفلسطينية تعد قنابل داخل أجهزة كاسيت تشبه التي استخدمت في تفجير لوكيربي.

لكن الطب الشرعي في اسكتلندا شكك في احتمالية وقوف إيران وراء التفجير، مؤكدا أن الشكوك تحوم حول ليبيا.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1991 صدرت أوامر اعتقال بحق المقرحي الذي كان يشغل منصب رئيس الامن في الخطوط الجوية الليبية، وفحيمة مدير المحطة بالخطوط الجوية الليبية في مطار لوقا بمالطا.

ووجهت للاثنين تهم استغلال وظيفتيهما لوضع قنبلة على متن طائرة في مطار لوقا.

وقال المحققون إن المتفجرات أخفيت في مشغل راديو كاسيت من نوع توشيبا مغطى بالملابس ووضع في حقيبة من نوع "سامسونايت" بنية اللون.

ووضعت الحقيبة في وقت لاحق على متن رحلة متوجهة إلى مطار هيثرو، في لندن ، عبر فرانكفورت ثم حملت على الطائرة التابعة لشركة بان أميركان المتجهة صوب نيويورك.

ثلاثة قضاة

وبعد عشر سنوات من الجدل الدبلوماسي سافر المشتبهان من طرابلس ليمثلا أمام محكمة اسكتلندية خاصة في "كامب زيست" بهولندا.

ولم تكن هذه المحكمة كمثيلاتها، فعادة ما تقرر هيئة محلفين مصير من يدان بالجريمة .أما المقرحي وفحيمة فسيقرر مصيرهما ثلاثة قضاة هم : لورد ساذرلاند ولورد كولسفيلد ولورد ماكلين.

وفي الحادي والثلاثين من يناير / كانون ثاني عام 2001 أعلن القضاة قرارهم بتبرئة فحيمة وإدانة المقرحي بمائتين وسبعين جريمة قتل، وقضوا بمعاقبته بالسجن مدى الحياة.

ولكن حكم الإدانة لم يسلم من الانتقادات.

ويرى بعض المراقبين أن الحكم جاء بضغوط غربية لعقاب ليبيا وإدخال إيران في دائرة الاشتباه وحليفتها سوريا باعتبار أن هذه خطوة مهمة في حرب الخليج الأولى ضد العراق.

بل إن القضاة الثلاثة أنفسهم شككوا في أدلة الاتهام واعترفوا بوجود " شكوك وتحفظات" في وثائق الادعاء.

حيثيات الحكم

وفي حيثيات الحكم التي جاءت في اثنتين وثمانين صفحة ، جرت الإشارة إلى ثلاثة شهود " مهمين في القضية" : عبد المجيد وهو جاسوس ليبي يعمل لصالح الولايات المتحدة في مالطا. والثاني هو إدوين بولير سويسري الجنسية يعمل بالشركة التي صنعت المؤقت الذي استخدم في القنبلة . أما الثالث فهو طوني جاوسي صحاب متجر في مالطا زعم أنه باع المقرحي الملابس التي لفت فيها المتفجرات.

وقال القضاة إن شهادتي عبد المجيد وبولير لا يمكن الاعتداد بهما.

وعلاوة على هذا، لم تجد المحكمة تفسيرا لتمرير الحقيبة من خلال أنظمة الرقابة بمطار لوقا.

ولكن المحكمة خلصت إلى أن "فكرة وخطة زرع العبوة الناسفة حيكت في ليبيا كما أن تنفيذ الخطة تم بأيد ليبية وأن هناك أدلة مقنعة تثبت إدانة المقرحي".

والآن تتضاءل الآمال أمام مساعي أهالي الضحايا لمعرفة الحقيقة كاملة.

فكما يرى بعضهم لو كان المقرحي فعلا مذنبا فلا بد أنه لم يدبر جريمة بهذه الضخامة بمفرده.

وبعد مقتل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي ظهرت المزيد من مساعي البحث عن الحقيقة في طرابلس.

تساؤلات

وزار مسؤولون كبار من اسكتلندا والولايات المتحدة العاصمة الليبية الشهر الماضي في محاولة لتمهيد الطريق أمام تحقيق جديد.

فهل تضيف التحقيقات الجديدة شيئا يؤكد إدانة المقرحي ويكشف عمن كانوا وراءه؟ أم أنها ستكشف براءة ليبيا؟.

وبالنظر إلى إدانة المقرحي واعتراف ليبيا بالمسؤولية وقبولها دفع التعويضات لأقارب ضحايا لوكيربي ومن ثم رفع العقوبات والبدء في إبرام صفقات البترول ، يتساءل البعض: هل كان المقرحي كبش فداء لخروج بلاده من حالة العزلة الدولية ؟

الادعاء الاسكتلندي يرفض هذه الإشارات ويصر على أن محاكمة المقرحي كانت نزيهة وأن المقرحي أدين بسبب عدد كبير من القرائن الظرفية التي تثبت إدانته بقدر معقول من اليقين.

ولكن بعد أكثر من عقدين من الزمان على واقعة التفجير الجميع يتفق على شيء واحد: هناك شخص ما في مكان ما نجح في أن يفر من العدالة عن تفجير لوكيربي.

المزيد حول هذه القصة