الازمة المالية في اليونان تعصف بوسائل الاعلام

آخر تحديث:  الخميس، 23 أغسطس/ آب، 2012، 20:12 GMT
اليونان

قناة التر التلفزيونية تتوقف عن العمل نتيجة اضراب العاملين

تواجه وسائل الاعلام اليونانية تحديات خلال تغطية احد اكثر الفترات صخبا للانباء في البلاد مع تعثر الاقتصاد وما يسفر عنه من اثر على المجتمع.

ونظرا لخفض النفقات وتراجع الايرادات تواجه وسائل الاعلام اليونانية ضعفا خلال تغطيتها الازمة.

وتبرز قناة (ألتر) مثالا على تردي الاوضاع بعد ان جدبت الاستوديوهات من الانشطة، وأظلمت غرف التحكم وأوصدت الابواب إلا من لافتة تقول: "العاملون (بقناة) ألتر ليسوا عبيدا."

لم تكن هذه القناة الشهيرة قبل تسعة اشهر سوى خلية نشطة تعج بالعاملين الذي دأبوا على تناوب ورديات العمل ليل نهار، غير ان انتاج البرامج قد توقف وانقطعت اشارة البث، لتلقي الازمة بظلالها على احدى وسائل الاعلام في البلاد.

قبل عامين شرعت القناة في تأجيل صرف شيكات الموظفين، وبعد اربعة اشهر من عدم سداد الرواتب المستحقة، بدأ عدد العاملين يتقلص، وما كادت تحصل القناة على بعض التمويل حتى جفت ينابيعه ليبدأ العاملون اضرابا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي كرد فعل متوقع.

ومن الامثلة على ما آلت اليه الاوضاع من سوء، ذلك المثال لأحد الفنيين الذين عملوا بالقناة، نيكوس سبايريس، الذي كان يعمل بوحدة البث الخارجي مقابل راتب قدره 1300 يورو شهريا، ونظرا لعدم حصوله على مستحقاته المالية لمدة عام من القناة، لم يجد سوى اعانات البطالة التي تصل الى 360 يورو يلجأ اليها من اجل العيش.

انهيار الاعلانات

ويصف سبايريس حاله اثناء بداية نوبة عمل ليلية لحراسة أحد الابنية قائلا: "لا استطيع سداد فواتيري، اعيش على الاقتراض من عائلتي ولا اقدر على سداد الضرائب المستحقة علي. كنا جميعا في السابق نعيش حياة طيبة، والان لا نقدر على تكلفة الذهاب لتناول القهوة. في مطلع العام الجاري جاء اناس لتقديم الطعام لنا هنا وقمنا بتوزيعه بين العاملين."

تعد قناة (ألتر) مثالا تقليديا على ما آلت اليه اليونان ووسائل اعلامها من اوضاع سيئة.

لم يكن ملاك القناة سوى مجموعة من رجال الاعمال الاعلاميين ممن حصلوا على قروض لا حصر لها لبناء امبراطورية تضم صحفا ومحطات اذاعية وقنوات تلفزيونية.

يواجه بعضهم تهم التهرب الضريبي، في حين يقضى احدهم عقوبة السجن بعد ادانته.

ودفع الركود الاقتصادي وتراجع عائدات الاعلانات القناة الى عجزها عن الوفاء بما اقترضته، بعد ان قدر احدهم مديونية القناة بـ500 مليون يورو.

ويقول العاملون إنهم سينتظرون شهرا كمهلة لسداد مستحقاتهم والا سيلجأون الى رفع دعوى قضائية امام محكمة التوظيف واجبار الشركة على اشهار افلاسها، وهو اجراء يتيح لهم الحصول على قدر ضئيل من مستحقاتهم المالية.

ويضيف سبايريس ان اوضاع قناة (ألتر) بمثابة "نموذج مصغر لكل شئ فسد في اليونان، واستشراء جنون الحصول على المال الذي لا تملك منه البلاد شيئا."

وسقطت وسائل الاعلام الاخرى في هوة المأزق ذاته بعد ان طالت الازمة المالية اليونانية جميع القطاعات في المجتمع، وثمة تقديرات تشير الى خفض 4000 وظيفة في وسائل الاعلام منذ حدوث الركود الاقتصادي.

وربما من اكثر الامثلة الصارخة على ذلك اغلاق صحيفة (الفثيروتيبيا) اليسارية اليومية المرموقة.

كانت الصحيفة قد تأسست بعد سقوط الدكتاتورية في اليونان عام 1975، وبرزت الصحيفة على الساحة كثاني ابرز الصحف قراءة في البلاد، حيث تجاوز عدد العاملين بها 800 موظف.

وكانت الصحيفة صوتا نادرا يعبر عن الاستقلال والحيادية، لكنه صوت صمت في اشد أوقات الحاجة اليه.

خسارة فادحة

ظل يانيس بوغيوبولوس سكرتيرا للتحرير في القسم السياسي بالصحيفة حتى وقت بدء اضراب الموظفين في ديسمبر/كانون الاول الماضي بسبب عدم سداد رواتبهم.

ومنذ ذلك الحين اصدر بوغيوبولوس، بالتعاون مع بعض زملائه، ست اصدارات للصحيفة من تلقاء انفسهم، تخالهم آمال استئناف النشر بادارة ذاتية والاعتماد على مواردهم الخاصة.

وقال ان اغلاق صحفية (الفثيروتيبيا) بمثابة "خسارة فادحة لليونان. انها (صحيفة) لا تقارن بمعظم وسائل الاعلام الاخرى هنا التي يسيطر عليها اناس لديهم مصالح اخرى"، واضاف ان معظم الصحفيين "لا يتفوهون بكلمة تمس حق الشركات التي كانت منحتهم قروضا على سبيل المثال."

وأكد بوغيوبولوس على ضرورة "التحلي بحرية صياغة التقارير بشأن السياسيين الذين سرقوا الدولة – مثلما فعلت الصحيفة."

واستطرد موضحا ما آل اليه المشهد الاعلامي في اليونان مؤكدا انه "اذا لم تتوافر لدينا الامانة والتقارير الصادقة، سنكرر احداث رواية 1984 لجورج اورويل. ان الصحافة جزء من الديمقراطية. وان كانت اليونان ترغب في الديمقراطية، فعليها ان تعيد انتاج الصحافة ."

وتحتل البلد الذي اخترع فكرة الديمقراطية في حد ذاتها حاليا المرتبة السبعين على قائمة حرية الصحافة التي اعدتها منظمة صحفيين بلا حدود، بعد ان تراجعت اربعين مركزا خلال السنوات الخمس الماضية.

ويتوق اليونانيون، المتضررون بأسوأ ازمة مالية في تاريخ البلاد الحديث، الى مصدر أمين للمعلومة.

كما تترسخ لديهم رغبة في تحرير وسائل الاعلام من سبل التضليل مع انتشار المدونات ومحطات الاذاعة المحلية كوسائل ناجحة بديلة.

وتنهض هذه الوسائل البديلة بسد الفراغ وتحليل تعقيدات الازمة على نحو اخفقت معظم وسائل الاعلام المعروفة في تناوله سابقا.

يقول نيكوس زيداكيس، رئيس تحرير صحيفة (كاثيميريني)، احدى الصحف اليومية الاخرى المرموقة، ان الصحافة التقليدية "لم تتكيف مع المشهد الجديد لوسائل الاعلام الاجتماعية، كما ان بعض كبرى المؤسسات الاعلامية تستأثر بها شركات تدفع بتوجهاتها الخاصة في الصحافة."

واضاف ان وسائل الاعلام باتت لفترة طويلة "تتصرف كأنها الحكومة، وهي الان تدفع ثمن ما اقترفته."

بالطبع يثار جدل بشأن حالة التشبع التي انتابت المشهد الاعلامي اليوناني في الماضي، فهذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 10 ملايين نسمة لا يحتاج الى 12 قناة تلفزيونية وما يربو على 20 صحفية قومية الى جانب عدد لا حصر له من المحطات الاذاعية، الامر الذي جار دون شك على جودة المحتوى الاعلامي.

وربما تفضي الاوضاع الى تقليص حجم وسائل الاعلام في اليونان كحال معظم المؤسسات الاخرى في البلاد.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك