أسبوع في الصين: من مراسلي بي بي سي

آخر تحديث:  الأحد، 4 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2012، 15:39 GMT

فيما تستعد الصين لتولي جيل جديد لقيادة البلاد، قضت بي بي سي اسبوعا للسعي الى رصد التحديات التي تواجه اكبر بلدان العام تعدادا للسكان فضلا عن رصد ما حققته ايضا من انجازات.

اليوم الخامس: سد المضائق الثلاثة

سد

سد المضائق الثلاثة

يقول مارتن بيشنسن، مراسل بي بي سي، ان العديد اجبروا على اعادة التوطين جراء تشييد المشروع العملاق الذي ينهض من مياه نهر اليانغتسي وهو سد المضائق الثلاثة الذي يبلغ ارتفاعه ما يربو على ارتفاع مبنى مكونا من 40 طابقا وينطوي على روعة في البناء والتصميم.

ويمتد السد لما يزيد على كيلومترين وجرت الاستعانة بعشرات الالاف من العمال خلال فترة بناء امتدت عشر سنوات وتكلفة تجاوزت اربعين مليار دولار.

ويهدف السد الى التحكم في منسوب فيضان النهر، فيما ينتج كميات هائلة من الطاقة الكهربائية على نحو يوازي ما تنتجه 11 محطة للطاقة النووية.

ويعد المشروع احد ابرز المشروعات العملاقة في مجال الهندسة المدنية في شتى ارجاء العالم، وينتصب شاخصا لانجازات الصين خلال العشرين سنة الماضية.

واشاد الحزب الشيوعي الصيني بالمشروع العملاق بوصفه انتصار، على الرغم من كون المشروع خضع لتكاليف بيئية وبشرية باهظة.

وأسفر تشييد المشروع عن اعادة توطين ما يربو على مليون شخص بعد ان تكونت بحيرة للسد وصلت مساحتها الى 600 كم طولا على نحو اغرق القرى والبلدات والمدن الصغيرة.

ولم تتم مناقشة قرار اعادة التوطين، بل جرت الامور بناء على اوامر.

وانتشرت بلدات جديدة وقرى على مقربة من نهر اليانغتسي عندما غادر مهاجرو سد المضائق الثلاثة منازلهم القديمة.

ومن بين الذين يعيشون حاليا في احدى البنايات القابعة على احد المرتفعات مزارع يدعى فو شيان تساي الذي يدعم كليا مسار تنمية الصين ويعتقد ان تحول البلاد يصب في مصلحة الناس، غير ان قصته تكشف عن الجانب المظلم للتنمية في الصين.

يقول فو انه لم يتسلم قط اي تعويض مستحق لاعادة التوطين، وعندما شكا للمسؤولين المحليين ضربوه ضربا مبرحا وتركوه بلا حراك.

وعلى مدى العقد الماضي سجلت الصين تنمية بمعدل لا سابق لها في تاريخ البشرية.

غير ان الطريقة التي تعامل بها الحزب الشيوعي الصيني مع الملايين من المواطنين بغية اتمام مشروع سد المضائق الثلاثة اذكت استياء هائلا لدى المواطنين.

والان اصبح المواطنون في الصين ايسر حالا ولم يعد الكثير من الصينيين على استعداد للخضوع لاي قوة مثلما كان يحدث في الماضي.

ويعني ذلك بالنسبة للزعماء الصينيين الجدد الاستعداد لمواجهة قيادة اناس اقل اذعانا لمنهاج الحزب على الارجح.

اليوم الرابع: أفقر المقاطعات الصينية

يطالعنا داميان غراماتيكاس بشأن احوال المحليين في منطقة شياوشينغ في مقاطعة قويتشو افقر المقاطعات الريفية التي تخلفت عن اللحاق بركب الثروة الصينية الجديدة.

يقول لو جي كوان، البالغ من العمر 70 عاما، ممسكا بمنجل لتقطيع نبات الارز "شاهدت اناسا اغنياء عبر شاشات التلفزيون، يعيشون في دور جميلة ويقودون سيارات فارهة، كم حلمت بالعيش حياة كهذه، لكني اعلم انه مجرد حلم."

يذكر ان لو جي كوان يحصل على راتب تقاعد من الحكومة يصل الى 55 يوان (ما يعادل 8 دولارات) في الشهر، وهو اقل بكثير مقارنة بما يتقاضاه من بيع عجول او خنازير في الموسم.

وتعد مقاطعة قويتشو، افقر المقاطعات الصينية، والمنطقة التي يعيش فيها لو جي كوان افقر المناطق في مقاطعة قويتشو.

خلال العقدين الماضيين سجل الاقتصاد الصيني نموا بواقع 10 في المئة سنويا فيما خرج ما يربو على 400 مليون شخص من شريحة الفقر.

غير ان النمو الصيني لم يكن منتظما، فاولئك الذين يعيشون في الاماكن الصحيحة وما بها من سبل للتواصل اصبحوا اثرياء على نحو لافت.

وهناك في الصين حاليا 1.4 مليون من اثرياء الصين، في حين سجل عدد المليارديرات نموا من 15 مليارديرا عام 2006 الى 251 مليارديرا اليوم.

ومازال يعيش نحو 150 مليون صيني بأقل من دولار ونصف في اليوم، معظمهم مثل لو جي كوان ابعد ما يكونون عن فرص العيش في المدن العملاقة والمقاطعات الساحلية.

ويشكل اليوم البون الشاسع بين اثرياء المدن وفقراء الريف وضعا مربكا امام حكام الصين.

فهم يصفونه بتهديد لشرعية حكم الحزب الواحد، ويعربون عن قلق من كون اتسام المجتمع بالاجحاف يعكس وضعا غير مستقر، ويقولون انه سيتصدون لذلك على نحو عاجل.


اليوم الثالث: انتعاش البناء في شانغهاي

شنغهاي

شنغهاي

تزايدت حركة البناء وتطاولت بنيتها، لكن هل يستفيد الجميع من ذلك؟

ان اراد الزعماء الصينيون رسم صورة تجسد ما حققته البلاد من نهضة قوية خلال عقد مضى، فربما لن نجد غير الافق الصيني وما يزخر به من ابنية خير مثال على ذلك.

لقد شهد عام 2002 بداية ملامح التقدم المحرز على جانب بودونغ من النهر، ومنذ ذلك الوقت واصلت اعمال النهضة نشاطها وانتشرت العقارات لتملأ الفراغ في المنطقة فضلا عن ارتفاع معدلات الاقامة.

وكان نتيجة انتعاش البناء في شانغهاي، كحال الصين عموما، اتاحة الملايين من فرص العمل.

ومن ثم دفع دور المدينة كمركز مالي ومحرك للنمو الى زيادة معدلات الدخل على مستوى الفرد الى ما تجاوز 12 ألف دولار في العام.

وكوجهة لاظهار حداثة شانغهاي ونشاطها وتطلعاتها امام العالم وكذا امام صناع السياسة الاقتصادية في الصين، برزت اشياء لكثير تبعث الفخر، حيث تعتبر شانغهاي رمزا لحداثة الصين بطريقة بالغة الاهمية.

وخلال مقابلة خاصة مع احد وسطاء العقارات كان يقف بأحد الطوابق العلوية لبناء فاخر في بودونغ، قال "اعتقد ان الفجوة تتسع، فيما يحاول بعض الفقراء تحقيق استفادة، لكن لحسن الحظ لدينا حكومة صارمة للغاية وقوية جدا تسعى دوما الى السيطرة على كل شئ وتهدئة الاجواء."

وهذا القلق الذي يخالج الزعماء الصينيون بشأن تنامي الاضطرابات الاجتماعية موثق على نحو جيد، وكذا احتمال احتوائه حتى مع تسجيل تراجع للنمو الاقتصادي.

في حين يتساءل بعض خبراء الاقتصاد عما اذا كان النظام الصيني المعني بحكومة قوية ربما يمثل في المقام الاول احد الاسباب الرئيسية وراء عدم المساواة .

ويمثل الانفاق الهائل من جانب الحكومة على مشروعات البنية التحتية الكبرى أحد المحركات الرئيسية وراء هذا النمو غير العادي للاقتصاد على مدار العقد الماضي.

في حين يبرز التصدير بالطبع كأحد المحركات الاخرى وراء تحقيق النمو.

كما نلحظ انه في الوقت الذي دفع فيه الانفاق الحكومي الناتج المحلي الاجمالي الى الزيادة، كانت هناك عوامل اخرى كنوع الثروات التي تستحوذ عليها الشركات الحكومية الكبرى والنخبة الثرية وليس ما بحوذة الاسر الصينية العادية.

وقال جاري ليو لدى كلية الاعمال الدولية الاوروبية الصينية ان الصين "حاليا تقف عند نقطة تحول خطيرة."

وأضاف ان "الحكومة الكبيرة اصبحت مشكلة وليست حلا، لكونها اصبحت قوية للغاية وتتحكم في الكثير من الموارد على نحو يشوه الاقتصاد كما يخنق الابتكار لدى الشركات."

يذكر انه اذا عكف عدد كبير من الناس عن الاقتصاد كمستهلكين لانهم خارج شريحة الاثرياء، حينئذ ستعاني الصين من بناء اقتصاد اكثر توازنا ينهض فيه الطلب الداخلي بدور اكبر.

وفيما تستعد الصين لصعود جيل جديد من القادة، يصعب رصد فئة الاشخاص من ذوي الاستهلاك الضعيف في شانغهاي.


اليوم الثاني: تعزيز "القوة الناعمة"

الصين

سجلت مبيعات شباك التذاكر نحو ملياري دولار

كتابات كثيرة تناول النهضة الاقتصادية والقوة السياسية التي تتمتع بها الصين، لكن في الوقت عينه تحرص البلاد على استعراض عضلاتها الثقافية وهو ما يبرز جليا من خلال انشاء معاهد لتدريس اللغة الصينية في عشرات الدول الى جانب الترويج لخدمات اخبارية في شتى ارجاء العالم في مسعى للمنافسة مع الخدمات الاخبارية التي تقدمها بي بي سي البريطانية وسي ان ان الامريكية.

وخلال ما تبذله الصين من جهد لتوسيع نطاق ما يطلق عليه "القوة الناعمة"، يبرز مجال واحد ينبغي لها تحسينه على نحو افضل مقارنة بالوضع الراهن ألا وهو مجال السينما.

فهناك امكانيات بالفعل في هذا القطاع، كما تتمتع الصين حاليا بأسرع سوق سينمائي من حيث النمو على مستوى العالم.

لقد شهدت النهضة البنائية الراهنة افتتاح ما يزيد على 3000 دار عرض سينمائية في شتى انحاء البلاد العام الماضي.

كما سجلت مبيعات شباك التذاكر نحو ملياري دولار، وهو رقم ربما يعادل خُمس ما يسجله شباك التذاكر في الولايات المتحدة من عائدات، والسبب في ذلك يعزى الى كون الطبقة المتوسطة في الصين ما زال امامها الكثير كي تحقق نموا.

ذلك ما يدفع هوليوود الى بذل قصارى الجهد للاستحواذ على جزء من بعض ما تحققه الصين من عائدات، وتطرق احيانا جميع الابواب الممكنة حتى لا تضل مسارها وتتسبب في اساءة.

يذكر انه في مطلع العام الجاري عندما عرض فيلم (Men in Black 3) في دور العرض الصينية، حذف مشهد يصور عمال مطعم صينيين وهم يجسدون الشر في احداث الفيلم.

وعندما اعتزم منتجو احد الافلام السينمائية ذات الانتاج الضخم لهوليوود، وهو فيلم (Red Down) المقرر عرضه قريبا ، عرض الفيلم في الصين أدركوا ان الغزو الصيني لامريكا ربما لا يلقى استحسانا، وعليه اعادوا التصوير بتوزيع الادوار على نحو اعطى دورا ابرز لكوريا الشمالية في الاحداث.

وحتى الان نتيجة لهذا التودد الحذر اصبحت القصص التي تنتجها هوليوود تحظى بقبول في الصين وتنتهي نهايات سعيدة.

أصبحت الافلام الامريكية تحقق تقدما حتى في سوق يتمتع فيه الانتاج المحلي بنظام حماية صارم يحدد حصة لعرض الافلام على نحو يحد من عرض الافلام السينمائية الاجنبية.

وتحت وطأة ضغط منظمة التجارة العالمية، ارتفع هذا الحد حاليا من 20 فيلما سينمائيا في السنة الى 34 فيلما، وخلال الاشهر الستة الاولى من العام الجاري حصدت الافلام الاجنبية في الصين ايرادات تجاوزت 800 مليون دولار في الصين.

أفاد تقرير أخير نشرته صحيفة "تشاينا دايلي China Daily" الناطقة باللغة الانجليزية بأن الافلام السينمائية الصينية في امريكا سجلت ايرادات فقط بقيمة 400 ألف دولار عام 2011، ومن بين 791 فيلما انتجت في الصين في هذا العام، بيع 52 فيلما فقط خارج الصين، على الرغم من كون معظم هذه الافلام انتاج مشترك وليست افلاما سينمائية صينية الانتاج فقط.

ويقول بعض مخرجي الافلام السينمائية الصينيين ان السبب الحقيقي وراء تعثر السينما، التي تحقق نموا محليا، لا يعني شيئا بالنسبة لهوليوود بقدر ما يعنيه الصين في حد ذاتها.

يذكر ايضا ان المخرج الصيني العالمي لو يي سبق وفرض عليه حظر يقضي بعدم انتاج افلام لمدة خمس سنوات، ومؤخرا اتخذ خطوة جريئة حيث تناول معركته مع الرقابة من خلال مدونته على الانترنت في الوقت الذي يسعى فيه الى عرض فيلمه الاخير "اللغز Mystery"

وفي احد الاسابيع نشر تفاصيل بشأن مفاوضاته مع مكتب الافلام السينمائية Film Bureau

وقال المخرج لبي بي سي "لا ينتج الكثير من منتجي الافلام الصينية وكذلك المستثمرين في القطاع افلاما تتناول واقع الحياة بغية تفادي خطر المواجهة مع الرقابة."

وأضاف "لذا تلاحظ تناول قلة من الافلام في السوق الصينية الحياة الصينية الحديثة."

ومهما كان السبب، يغير الجمهور الصيني وجهة اهتمامه، وتظل الصين تسعى للاجابة على سؤال كيف يمكن تعزيز قطاع قادر على التكافؤ مع القوة الناعمة الامريكية.

اليوم الاول: قرية شيشيا

في اليوم الاول كتب مراسل بي بي سي مارتن باشينس من قرية شيشيا الريفية القابعة عند سور الصين العظيم في شمال العاصمة بكين.

الصين

دونغ دي شيو

تلمح هيئة دونغ دي شيو النحيفة وعينيه الغائرة عن مشقة العيش وعن قدر ما تحمله خلال حياته.

ويقول دونغ البالغ من العمر 71 عاما والمفعم بالحيوية ان قرية شيشيا تغيرت خلال العقد الماضي، وأَضاف "اشعر الان كما لو كانت حياتي اشبه بالعيش في الجنة."

وقال "في الماضي كنا نعاني الجوع دوما، والان وان كنت لست من الاثرياء، فلدي اكثر مما يكفيني."

لقد شهد دونغ تجربة الاضطراب في تاريخ الصين الحديث، لقد ولد خلال فترة الاحتلال الياباني للصين ابان الحرب العالمية الثانية. وقال ان احد أعمامه لقي مصرعه جراء تعرضه للضرب المبرح على يد الجنود اليابانيين في قريته.

ثم توفي والده بعد ذلك خلال فترة المجاعة الكبرى التي راح ضحيتها عشرات الملايين في شتى ارجاء الصين قبل ما يربو على خمسين عاما.

وان كان ذلك لا يكفي فقد حدثت الثورة الثقافية بعد ذلك.

وقال دونغ انه في مطلع الثمانينيات شاهد بذور التغيير عندما سمحت السلطات للمزارعين في القرية ببيع محصولهم من الخضراوات نقدا.

الصين

ويضيف انه منذ ذلك الوقت تحسنت احواله لاسيما خلال السنوات العشرة الاخيرة.

أصلحت السلطات الطرق فضلا عن ترميم الكثير من المنازل القديمة، ودونغ الان يحصل على راتب تقاعد حكومي وراتب عن عمله كاطفائي في الاحراش القريبة.

ويتقاضى دونغ نحو 250 دولارا شهريا، وهو مبلغ يتجاوز بكثير ما كان يتقاضه في الماضي.

وقال دونغ "عجلة التاريخ لن تعود الى الوراء" في اشارة الى التقدم الذي حققته الصين خلال العقود الاخيرة.

ويشارك العديد من الصينيين في القرى الصغير والبلدات النشيطة والمدن الكبرى في انحاء البلاد نفس ما يخالج دونغ دي شيو من مشاعر الحماس.

لقد تغيرت الحياة هنا والكثير يعتقدون ان الصين، على الرغم من كافة المشاكل التي تواجه البلاد، تخطو على المسار الصحيح.

ويبقى امام القيادة الصينية الجديدة الوفاء بتحقيق النمو المتوقع.

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك