وجهة نظر: هل الصين أكثر شرعية من الغرب؟

آخر تحديث:  الاثنين، 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2012، 10:18 GMT
الصين

توشك الصين والولايات المتحدة على اختيار قيادتين جديدتين وان اختلفت طريقة الاختيار، لكن هل يكون المرشح الذي يصوت لمصلحته الملايين أكثر شرعية من اختيار شخص يعينه حفنة من الاشخاص؟

يشهد هذا الاسبوع ترادفا غير عادي للاحداث، حيث يشهد غدا الثلاثاء انتخاب الرئيس الامريكي، يتبعه بيومين انعقاد المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني لاختيار الزعيم الصيني الجديد ورئيس الوزراء.

قد يبرز تناقض شاسع، ففي الوقت الذي يقبل عشرات الملايين من الامريكيين على الادلاء باصواتهم في الانتخابات الرئاسية، تجرى عملية الاختيار الصينية خلف ابواب موصدة لتضم فقط حفنة من الرجال لا يتجاوز عددهم اصابع اليد.

ربما يساورك اعتقاد بان "امريكا هي الافضل، وان الصين هي الاسوأ، وان نقطة ضعف الصين هي نظام الحكم لديها (الحوكمة)، وان هذا هو ما سيفضي الى سقوط الصين."

وقد يساورك اعتقاد بان شرعية الدولة او الحكومة وسلطتها يجب ان تكون نتاجا للديمقراطية، على الطريقة الغربية على الاقل.

لكن الديمقراطية ليست الا عاملا واحدا، كما ان الديمقراطية في حد ذاتها ليست ضامنا للشرعية.

لاثبات ذلك، لا ينبغي لنا ان ننظر الى ابعد من ايطاليا.

ففي ايطاليا، تجرى انتخابات بشكل دوري منتظم، غير ان المشكلة الدائمة للحكومة الايطالية هي عدم توافر الشرعية، فنصف السكان لا يعتقدون فيها، في حين تتمتع الدولة الصينية بشرعية اكبر مقارنة بأي دولة غربية، كيف ذلك؟

في حالة الصين تكمن شرعية الدولة كليا خارج تاريخ او تجربة الدول الغربية.

فخلال اول حديث اجراه مراسل بي بي سي شرح ان الصين ليست في المقام الاول دولة تنطوي على أمة بل دولة تنطوي على حضارة.

بالنسبة للصينيين، اهم ما في الامر هو الحضارة، وبالنسبة للغرب أهم ما في الامر هو الامة. واهم قيمة سياسية في الصين هي استقامة ووحدة الدولة التي تنطوي على حضارة.

ومع الاعتبار لحجم وتنوع البلاد، تعد هذه المسألة اشكالية كبيرة، فالفترة بين اربعينيات القرن التاسع عشر الى عام 1949، احتلت قوى استعمارية الصين على نحو دفعها الى الانقسام والتفتت، ويسمي الصينيون ذلك بقرن الاذلال.

كما يرون ان الدولة تجسيد للحضارة الصينية وحارسها. ويعد الحفاظ على وحدة الدولة من الامور بالغة الاهمية.

وهناك الكثير من الامثلة في التاريخ، فشرعية الدولة الصينية تكمن، أولا واخيرا، في علاقتها مع الحضارة الصينية.

لكن قد يثار تساؤل هل تتمتع الدولة الصينية بشرعية في نظر شعبها؟

نستشف الاجابة عن هذا التساؤل من توني سياتش لدى كلية كيندي للدراسات والسياسات الحكومية بجامعة هارفارد، فمن خلال سلسلة من الدراسات توصل سياتش ان ما بين 80 الى 95 في المئة من الصينيين اما راضين نسبيا او بقوة عن الحكومة المركزية.

من جهة اخرى نأخذ في الاعتبار دراسة (بيو) للاتجاهات الفكرية العالمية التي توصلت عام 2010، على سبيل المثال، الى ان 91 في المئة من الصينيين الذين استطلعت أراؤهم يعتقدون ان تعامل الحكومة مع المف الاقتصادي كان جيدا.

ولا يعني هذا المعدل المرتفع للرضا عن خلو الصين من الصراعات.

بل على النقيض هناك امثلة لا حصر لها لحالات احتجاجات، مثل موجة الاضرابات التي اجتاحت مقاطعة قوانغدونغ للمطالبة بزيادة الاجور عامي 2010 و 2011، فيما دعا المحتجون الذين بلغ عددهم 150 ألف او اكثر الى تنظيم أنشطة جماعية كل سنة – التي نظمها مزارعون محتجون ضد ما اعتبروه استيلاء السلطات المحلية غير الشرعي على اراضيهم بالتعاون سرا مع مقاولي العقارات.

غير ان هذه التحركات لا تدل ضمنا على عدم رضاء اساسي عن الحكومة المركزية.

وان كانت الدولة الصينية تتمتع بمثل هذا الدعم، حينئذ لماذا تظهر اعراض جنون الاضطهاد (البارانويا)، الى جانب فرض رقابة على الصحافة والانترنت والاعتقال المؤقت للمنشقين؟

بالفعل ان جميع الحكومات الصينية تظهر الاعراض نفسه. لماذا؟ لأن البلد كبير ومترامي الاطراف ومهمة ادارته صعبة للغاية. انهم دائما قلقون ويخشون دوما الغيب. في حين يمثل توقع مصادر عدم الاستقرار دوما صفة اساسية للحوكمة الجيدة.

يتمتع الصينيون بمنهج فكري مختلف للغاية تجاه الحكومة مقارنة بالمنهج الغربي.

حقيقة يعتمد الاتجاه الفكري لدى الغرب جزئيا على ما لديه من طيف سياسي. فان كنت من اتباع الفكر اليميني، ربما تعتقد في الحكومة اقل من اتجاهك نحو السوق. وان كنت من اتباع الفكر اليساري، ربما تصبح اكثر ميلا نحو الدولة.

غير ان كلا الفكرين، اليسار واليمين، يشتركان بالفرضيات الاساسية ذاتها. كما ينبغي تجميع دور الدولة وتنظيمه في شكل قانون، كما ينبغي ايضا ان تكون هناك حدود واضحة لقوة الدولة، فضلا عن وجود مجالات عديدة ينبغي للدولة ان تشارك فيها.

وبالنسبة للفكرة الصينية للدولة، فهم لا ينظرون اليها من وجهة نظر نفعية ضيقة، كما في الغرب، ناهيك عن الشر المتجسد في طريقة حزب الشاي الامريكي.

انهم يرون الدولة بنظرة حميمية، او بمعنى اكثر دقة، كفرد في الاسرة. يعتبر الصينيون الاسرة أنموذجا للدولة. والادهى من ذلك فهم يعتقدون ان الدولة ليست جزءا خارجيا، بل امتداد او تمثيل لهم.

تتمتع الدولة الصينية في الحقيقة بمثل هذا الموقف السامي في المجتمع الذي يمنحها سلطة هائلة، الى جانب التمتع بالوجود الملحوظ و الاهلية الكبيرة.

وبقدر تعلق الأمر بالاقتصاد، كانت الدولة الصينية بمثابة العقل المدبر للنهضة الاقتصادية الصينية التي بلغ معدل نموها السنوي 10 في المئة لما يربو على 30 سنة.

انه التحول الاقتصادي الأكثر بروزا الذي شهده العالم منذ ان بدأ العصر الحديث بالثورة الصناعية البريطانية في اواخر القرن الثامن عشر.

وعلى الرغم من أن الصين مازالت دولة نامية، فانها اكثر الدول اهلية في العالم.

أما فيما يخص البنية التحتية، نجد ان اهميتها تكمن في تأخر الاعتراف بها في دول الغرب. وهنا لا يقف امام الصين نظير، حيث تعتبر شبكة السكك الحديدية السريعة لديها اكبر شبكة في العالم وسوف تصبح عن قريب اكبر من شبكات العالم مجتمعة.

شبكة السكك الحديدية السريعة في الصين.

بالطبع من اوائل الثمانينيات ثار جدل واسع عن الدولة في بريطانيا بشأن ما ينبغي خصخصته او كيف يمكن اتخاذ اجراء لمحاكاة السوق.

والان نحن في وضع مختلف تماما، حيث تعاني الاقتصاديات الغربية فوضى عميقة، فيما تتسم الصين بنهضة قوية، وهنا لم يعد بالامكان اغفال تنافس الدولة على الاطلاق. فالنموذج الغربي يعبر عن ازمة.

لذا بات من الصعب على دولة غربية ان تصبح مثل الصين. انها صناعة تاريخ مختلف وعلاقات مختلفة بين الدولة والمجتمع. لا يمكن نقل دولتها الى دولة غربية، والعكس صحيح. لكن ذلك لا يعني ان بامكان الغرب التعلم من الدولة الصينية، مثلما تعلمت الصين الكثير من الغرب.

سيكون للنهضة الصينية تأثير عميق على الجدل في الغرب.

ففي غضون ستة سنوات من الان سيتخطى حجم الاقتصاد الصيني الاقتصاد الامريكي. وبحلول عام 2030 سيكون حجم الاقتصاد الصيني اكبر بكثير.

من دون شك ترسم الصين ملامح العالم على نحو متزايد، وان كان الماضي قد دعانا الى النظر باتجاه الغرب خلال القرنين الماضيين، فان المستقبل يدعونا الى النظر باتجاه الشرق.

حينئذ أهلا بالنموذج الصيني الجديد – الذي يتألف من تنافسية عالية وبالطبع من سوق محمومة التنافس في طبيعتها ودولة موجودة تتمتع بأهلية.

وبالنسبة لدول الغرب يمثل ذلك ظاهرة جديدة ستعمل على بلورة مستقبلنا.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك