جينيث بيدويا: أردت أن أحمل آلامي وأعيش بها وحدي

جينيث بيدويا، 38 عاما، كولومبيا

في 25 مايو/ أيار عام 2000، اختطفت الصحفية الكولومبية جينيث بيدويا بالقرب من باب سجن لاموديلو في بوغوتا، حيث كان من المقرر أن تلتقي أحد مصادرها الصحفية. وقد احتجزها ثلاثة رجال لأكثر من 16 ساعة، وعذبوها واغتصبوها. وقد تم التعرف عليهم في ما بعد كأعضاء في أكبر منظمة كولومبية شبه عسكرية تدعى القوات المتحدة للدفاع عن النفس، والتي كانت بيدويا تتولى إجراء تحقيق صحفي حولها.

"بعد حادث الاغتصاب، كان أصعب شيء هو أن أجد نفسي وحيدة مع تلك الكدمات في جسدي، وأن أشعر وكأنني يتيمة تماماً. لقد أدركت أنني ينبغي أن أواصل حياتي، لكنني لم أكن أريد الاستمرار، ولذا كانت أول فكرة لدي هي الانتحار. ولكن حينما بحثت عن الطريقة، اكتشفت أنني لا أملك الشجاعة، وكنت أخشى أنني لو تناولت شيئا لغرض لانتحار فربما لن أموت.

لكن كان علي أن أبحث عن سبب للبقاء، وكانت الإجابة الأولى التي استطعت أن أفكر فيها هي الاستمرار في القيام بالعمل الذي أحبه أكثر من اي شيء في حياتي، وهو الصحافة.

وكان الخروج إلى العمل مرة أخرى أمر صعب، لأن جسدي كان مليئا بالكدمات، وكان لدي ذراعان مختلفتان تماما، فقد كان يغطيهما اللون الأرجواني بسبب الضربات التي تلقيتها. كانت يداي ووجهي وجسدي كله مليء بالكدمات، وكنت لا أريد للناس أن تراني هكذا.

لكن بمجرد أن شعرت بأنني أستطيع أن أظهر وجهي، بعد أسبوعين من الاختطاف، قررت أن أرجع إلى صحيفتي التي أعمل لديها أي "الاسبكتادور".

لقد كانت تلك لحظة عاطفية، لأنني وصلت إلى الصحيفة وأنا بالكاد أستطيع أن أمشي. كان المدير يسير بجواري، وقد وقف الجميع – نحو مئتي صحفي – وبدأوا جميعا بالتصفيق، وقد شكلوا صفا طويلا. الجميع رحب بي في ذلك اليوم.

وبعد ذلك، تحدثنا فقط حول حادث اختطافي، ولم يتطرق أحد الى مسألة اغتصابي، خصوصا أن الكثير من الزملاء لم يكونوا يعلموا أنني تعرضت للاغتصاب. وكان كل ما عرفوه هو أنني تعرضت للاختطاف والضرب فقط.

حتى جاء يوم، وقام كارلوس كاستانو، قائد القوات المتحدة للدفاع عن النفس، بالكشف عن ذلك في مقابلة تلفزيونية. كان ذلك بعد حادث اختطافي بشهور. وفي ذلك اليوم اكتشف فيه جميع أصدقائي هذا الأمر، وكان ذلك قاسيا بالنسبة لي، ولم أتمكن من الحضور إلى العمل ليومين، ثم طلبت من الجميع عدم النقاش في هذه المسألة، وقد احترم الجميع ذلك.

كانت حوادث الاغتصاب في ذلك الوقت منتشرة جدا في كولومبيا، وكانت 90 بالمئة من الأخبار تتعلق بذلك، ولذا بدأت أكتب في هذا الشأن. وخلال الشهر الأول من العمل، كان كل خبر ينتهي بدموعي على وجهي. لكنني ظللت أردد ذلك لنفسي أنني لا يمكن أن أترك، إذ لم أقترف أي سوء.

وبعد اختطافي بستة أشهر كانت هناك اشتباكات بين المنظمات شبه العسكرية والعصابات المسلحة في الجزء الشمالي من البلاد. طلبت أن يوفدوني إلى هناك.

الصحيفة لم تكن متحمسة لهذه الفكرة، وذلك بسبب المخاوف الأمنية. لكنني أرسلت رسالة الكترونية إلى كارلوس كاستانو أخبره عن نيتي الاستمرار في العمل وأطلب منه بعض الضمانات من المنظمات المسلحة.

وقد رد على رسالتي بالقول "ليست هناك مشكلة"، ولذلك ذهبت. وكان ذلك بمثابة الاختبار الحاسم، لأن هذا يعني أنني سأواجه المسؤولين عن اختطافي، وهي المنظمة شبة العسكرية.

لقد اتخذت قرارا حاسما جدا من قبل، وهو أن أنأى بنفسي تماما عن عائلتي، وكنت أقيم مع والدتي، وهي أهم شخص في حياتي. لكنني أبعدت نفسي عن أقربائي الآخرين، ولم أعد أتحدث إلى أبي مطلقا، فقد أردت أن أحمل آلامي وأعيش بها وحدي، ولم أرد أن أكون عبئاً على أي شخص.

وكنت كذلك أتلقى دعما نفسيا خلال العام الأول، لكن في النهاية وصلت إلى مرحلة شعرت عندها أن ذلك لم يعد يساعدني، فقررت أن أتوقف عن ذلك.

فقط في 2011 أعيد فتح العملية القضائية، وكان ذلك لأنني قررت أن أتكلم. وقد بدأت التحقيقات وكان الأمر مؤلما جدا بالنسبة لي لأن اختطافي تورط فيه أشخاص لم أكن أبدا أتوقع تورطهم.

والآن، إذا لم يتحقق شيء مع كل ما لدي من قدرة على التحرك، وما لدي من علاقات ومنها خط الاتصال المباشر مع النائب العام بالبلاد، فماذا عن القضايا الأخرى المشابهة؟ هذه هي المشكلة في كولومبيا، إذا لم يحدث شيء في قضيتي، فما الذي تتوقعه النساء الأخريات.

لقد أبلغت بيدويا الشرطة مباشرة عقب تعرضها للاغتصاب، لكن لم يحدث أي تقدم لمدة 11 عاما، ولذا في مايو/ آيار 2011، تقدمت بيدويا بقضيتها أمام لجنة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان، والتي حثت مكتب النائب العام على التحرك. وبعد ذلك بفترة وجيزة، ألقي القبض على أحد أعضاء المنظمة المسلحة والذي اعترف بتورطه في عملية الاختطاف، وبعدها، وجهت التهمة بشكل رسمي إلى شخصين آخرين من قبل النيابة العامة.

وفي سبتمبر/أيلول 2012، قرر مكتب النائب العام أن اختطاف بيدويا وما تلاه من تعذيب وتعدي جنسي يعد "جرائم ضد الإنسانية"، وبالتالي فهي لا تخضع لأي قيود تتعلق بالقوانين التي تسقط بالتقادم، لاستخدامها من قبل أعضاء المنظمة المسلحة "كأسلوب حرب من أجل إسكات الأصوات التي تجرؤ على فضح تجاوزاتها وانتهاكاتها".