فنزويلا: تشافيز على خطى "الزعيم الأبدي" في روسيا وكوريا الشمالية

تشافيز
Image caption يطالب أنصار تشافيز بوضع جثمانه بجانب سيمون بوليفار

لم تنته مراسم الجنازة المهيبة للرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز بدفنه مثل البشر العاديين، بعد أن تقرر تحنيطه من أجل أن "يبقى متاحا للعامة للأبد"، في خطوة أعادت إلى الأذهان منهج تحنيط الزعماء السياسيين الذي بدأه الفراعنة المصريون.

وفيما يؤكد من يقومون بمثل هذا الإجراء أنه يهدف لتعريف الأجيال الجديدة بالزعيم الراحل، فإن أستاذ الاجتماع السياسي سعيد صادق أكد لبي بي سي أن الهدف الحقيقي في مثل هذه الحالات، من إقامة الجنازات المهيبة وتحنيط الجثامين، هو تحقيق مكاسب سياسية لمن سيتولى القيادة بعد المتوفى.

وكان نائب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد أكد أن جثمان الرئيس الراحل هوغو تشافيز سيسجى لأسبوع اضافي على الأقل داخل ثكنة عسكرية في كراكاس ثم سيحنط "مثل لينين".

وأوضح مادورو إلى أنه من المقرر وضع جثمان القائد الراحل للثورة البوليفارية في تابوت زجاجي بهدف أن "يبقى متاحا للناس للأبد".

ولم يستبعد احتمال وضع جثمان تشافيز - بناء على مطلب شعبي- في "الهيكل الوطني"، وهو مبنى دفن فيه أبطال استقلال فنزويلا ومن بينهم سيمون بوليفار وأنطونيو خوسيه دي سوسر، وهو أمر يتطلب تعديلا دستورياً، بحسب ما نقلت وكالة "شينخوا" الصينية.

تأييد شعبي

"الاستخدام السياسي لتحنيط جثث الزعماء بدأ في روسيا والاتحاد السوفيتي تحديدا، لأن التحنيط الفرعوني وكذلك تحنيط جثامين الرموز الدينية لبعض الوقت مثل بابا الكنيسة الأرثوذكسية السابق البابا شنودة، كان هدفه دينيا، ولم يكن يتم استخدامه سياسيا" وذلك حسبما يرى أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق.

وأضاف صادق أن "لينين كان رمزا للدولة الشيوعية التي قامت عليها إمبراطورية الاتحاد السوفيتي، وتحنيطه بالساحة الحمراء الملاصقة لمبنى البرلمان كان رمزا لاستمرار الدولة التي أسسها، لذا بعد انهيار الدولة الشيوعية تم دفنه مع دولته".

وأوضح صادق أن "الفكرة التي تحدث في فنزويلا هي استمرار لنفس النظرية، وهي الحصول على التأييد الشعبي للخليفة المرتقب على عرش البلاد، فهو بهذه الطريقة يؤكد للشعب أنه مستمر على نفس نهج الزعيم، ليضمن بهذا مساحة تأييد جماهيرية كبيرة، ويحدث هذا بالاتفاق مع النخب السياسية القريبة من دائرة صنع القرار، بالاتفاق مع أجهزة الإعلام التي تركز على هذه الشخصية تحديدا بما يصنع منه في عيون الناس الزعيم المنتظر".

ويحدد صادق الشروط التي يجب أن تكون موجودة حتى تتكرر هذه الحالة في أي دولة، فالنظام يجب أن يكون شموليا له منبر واحد ورأي واحد، والمعارضة تكون خاملة، ربما تكون قوية ولكن هناك مصالح تربطها بالنظام، ويجب أن يكون الرئيس قد قضى في الحكم فترة طويلة، وأن يقضي الإعلام فترة طويلة في تمجيده، وهي الشروط التي لا تتواجد في الدول الديمقراطية.

الزعيم الأبدي

وعندما أعلنت السلطات الكورية الشمالية أن جثمان كيم جونغ - إيل سيحنط ويعرض في قصر كومسوزان التذكاري الى جانب "مومياء" أبيه كيم إيل - سونغ، كانت تضيف بذلك معنى جديدا الى أحد ألقابه الرسمية في حياته وهو "الزعيم الأبدي".

ولم يكن كيم جونغ – إيل وحده بطل التحنيط، فبعد وفاة إبراهام لينكولن "المؤسس الثاني" للولايات المتحدة، طاف جثمانه بسبب مقامه الرفيع، على مختلف أنحاء البلاد في قطار خاص، ولهذا السبب قيل إن العمليات المتتالية للحفاظ على جثمانه سليما حولته منه مومياء.

وهناك بالطبع الروسي فلاديمير لينين الذي رقد جثمانه منذ مماته في 1924 وكان بوسع الزوار من الجمهور إلقاء نظرة عليه يوميا لثلاث ساعات بين العاشرة صباحا والواحدة بعد الظهر.

ونقلت "واشنطن بوست" عن ماري روش، مؤلفة كتاب Stiff "أو متيبّس" الذي يوصف بأنه "موسوعة الموت الحديث"، قولها: "لا يسعك وانت تنظر الى جثمان لينين الا أن تسأل نفسك، كيف فعلوا هذا؟ وتشرح "ما تجده هو لينين نفسه وكأنه حي، يخامرك شك في أن ما تراه خليط من بقايا بشر وشيء آخر".

ربما كان هذا "الشيء الآخر" هو الإجابة فعلا، لكن الحقيقة هي أنه حتى 1999 لم يكن في علم أحد، غير قلة مختارة، كيف تم الاحتفاظ بجثمان زعيم الشيوعية الروسية على ذلك النحو.

ففي ذلك العام نشر القائمون على أمر الجثمان كتابا بعنوان "محنّطو لينين" جاء فيه أن السر يتشعب ويشمل، بين أشياء أخرى، منها غمسه لفترات مطوّلة في مزيج من المبيِّض المخفف وخلات البوتاسيوم والغليسرول، والاحتفاظ به على درجة حرارة ثابتة هي 16.1 مئوية (61 فهرنهايت).

هذا التخليد نفسه وجده الزعيم الفيتنامي هو تشي مين الذي ظل جثمانه المحنّط يرقد للعيان لما يربو على ثلاثة عقود، مثلما هو الحال مع الصيني ماو تسي تونغ.

والثابت أن الفيتناميين سبقوا الصينيين الى تحنيط زعيمهم الأكبر، لكنهم أنفسهم تتلمذوا على أيدي الروس الذين مضوا ايضا لتحنيط جوزيف ستالين بعد خمسة أيام فحسب من مماته في 1953.

المزيد حول هذه القصة