في انتظار الدخان الأبيض

Image caption ساحة القديس بطرس بروما

أخيرا وبعد 8 اجتماعات تحضيرية، أجمع الكرادلة على تحديد موعد افتتاح المجمع الانتخابي للبابا الجديد الثلاثاء في الثاني عشر من آذار/مارس، ٢٠١٣.

لم يسبق أن توقع أحد على وجه الدقة الفترة التي ستستمر فيها اجتماعات المجمع الانتخابي أو نتائجه، إلا أن ذلك لم يحل دون محاولة كثيرين، خصوصا في فك طلاسم النقاشات المغلقة أو تخمين النتيجة قبل تصاعد الدخان الأبيض - اشارة الاجماع على اختيار بابا جديد.

وتحيط بالاجتماعات التحضيرية الكثير من التدابير الاحترازية، ناهيك عن عملية انتخاب البابا برمتها. والهدف من هذه السريّة التي تخيّم عادة على دوائر الفاتيكان في مثل هذا الظرف بحسب الأب فدريكو لومباردي المتحدث الرسمي منع المحاولات الخارجية للتدخل من أجل التأثير على عملية الاقتراع لصالح مرشّح بعينه.

ويجري بعد كل جولتي اقتراع (اثنتان صباحية واثنتان مسائية) إحراق أوراق التصويت حتى لا يتمكن أحد فيما بعد من تحليل محتوياتها لمعرفة أصحاب الأصوات، ناهيك عن أن الكاردينال الناخب يحاول جاهدا تغيير خط يده كالكتابة باليسرى مثلا للغاية ذاتها.

إلا أن تكنولوجيات القرن الحادي والعشرين تحظى هي الأخرى بمتابعة ومراقبة بالغتين.

Image caption المدخنة التي سيتصاعد منها الدخان الأبيض

فكنيسة السستين تزوّد قبل انعقاد المجمع الانتخابي بـأيام بأجهزة ونظم إلكترونية لاعتراض المراسلات والإشارات الهاتفية واللاسلكية وغيرها من وسائل الاتصال بحيث لن يتمكن أي من الكرادلة من استخدام تلك الوسائل للتواصل مع العالم الخارجي أو الكشف عن اسم البابا المنتخب قبل الإعلان الرسمي

وتمكن مصوّرون كثيرون في السابق من رصد البابا يوحنا بولس الثاني على فراش المرض في أيامه الأخيرة من الأبنية والحدائق المجاورة المشرفة على الفاتيكان.

ولكن القيمين هذه المرّة تنبهوا لهذه المسألة فأمروا بتغطية النوافذ المطلة على الباحة الخارجية لكنيسة القديس بطرس بألواح عازلة من الداخل.

وبلغت التدابير الاحترازية حد عدم الاتصال المباشر حتى بالبابا الفخري بنديكتوس السادس عشر لمجرّد التشاور كيلا يُقال إن البابا المتقاعد عمد إلى التأثير في مجريات أعمال المجمع.

فباستثناء رسالة الشكر والتقدير التي بعثها له المجتمعون في أول جلسة تشاورية لهم بعد استقالته لم يقم أي من أفراد مجمع الكرادلة الناخبين بزيارة الحبر الأعظم السابق في مقره المؤقت بقلعة كاستيل غاندولفو، غير أن تأثيره في اختيار خلفه باد في كونه قام بتعيين أكثر من ستين من الكرادلة الناخبين.

المجمع الانتخابي: مراسم وصلوات

في اليوم الأول لاجتماعاتهم التشاورية تحضيرا للمجمع الانتخابي، تم توزيع كتاب "مراسم الكونكلاف" المزخرف بأحرف مذهّبة على كافة أعضاء مجمع الكرادلة، وهو كتاب يقع في ثلاثمئة وثلاثة وأربعين صفحة وُضِع أصلا باللغة اللاتينية ويتضمّن ترجمات باللغة الإيطالية.

بعد ذلك يلتقي الكرادلة الناخبون في جلسة انتخابية بعد ظهر اليوم الأوّل يفتتحها الكاردينال جيوفاني باتيستا ري القائم بأعمال عميد الكرادلة.

بعد أن يحتل الكرادلة أماكنهم المخصصة بكل منهم يؤخذ الكتاب المقدس ويوضع على مكان مرتفع إشارة إلى أن الإنجيل يُشرف على أعمال المجمع.

وبعد أن يتلو القائم بأعمال عميد الكرادلة صلاة الافتتاح يقوم الكرادلة كل بمفرده بقسم اليمين على اتباع القوانين المرعية الإجراء ويتعهد كل واحد منهم في حال اختياره لمنصب خليفة القديس بطرس بأن يقوم بما يتطلبه منصب راعي الكنيسة الجامعة خصوصا لجهة الحفاظ على حقوق الكنيسة الروحية والزمنية واستقلالية الكرسي الرسولي.

عند هذه النقطة يؤمر بالخروج من الكنيسة كل من ليس في عداد الكرادلة الناخبين لتبدأ عملية اختيار البابا.

Image caption صورة للمرجل الذي سينطلق منه الدخان

ولكي تكون نتيجة الاقتراع ناجزة يجب أن تسفر الانتخابات عن حصول واحد من المرشحين على أكثرية ثلثي الأصوات، وإذا ما كان العدد مفردا (كما هو الحال الآن) فيصبح المطلوب ثلثين زائد واحد أي سبعة وسبعين صوتا.

ويقوم الكاردينال الناخب بكتابة اسم المرشح الذي يختاره على ورقة خاصة، ثم يحملها عاليا ويتوجه ليضعها على مرأى من الجميع في صحن من المعدن الثمين وضِع فوق كأس شبيهة بكأس القداس. بعدها يحمل الصحن ويدع ورقة الاقتراع تنزلق داخل الكأس من دون أن يلمسها بيده.

بعد انقضاء أسبوع من دون انتخاب ناجز يأخذ الكرادلة عطلة نهاية الأسبوع للراحة والتأمل والصلاة قبل أن يعودوا في الأسبوع التالي لإعادة الكرة من جديد. بعد فترة يتوافق عليها الكرادلة من دون انتخاب بابا يسقط جميع المرشحين باستثناء اثنين ممن نالوا العدد الأكبر من الأصوات لتنحصر بهما المنافسة.

عندما يتم اختيار المرشح الفائز يدنو منه القائم بأعمال عميد مجمع الكرادلة ويسأله: “هل تقبل اختيارك بحسب الدستور الكنسي حبرا أعظما؟" وإذا ردّ بالإيجاب يُسأل ثانية: “بأي اسم ترغب في أن تدعى؟" ولا ينص كتاب المراسم على احتمالية أن يرفض المنتخَب اختياره.

إذا كان المنتخب أسقفا تستكمل المراحل التالية من الكونكلاف، وإلا تتم سيامته مباشرة لرتبة الأسقفية ثم يأتي الكرادلة فردا فردا لتقديم واجب الطاعة للبابا المنتخب، قبل أن ينحى به إلى غرفة جانبية لتقليده اللباس الحبري الأبيض لبابا روما.

لورنزو غاماريلّي خياط البابا الذي احتفظت أسرته بهذا المنصب منذ قرون أعد مسبقا الزي البابوي بثلاثة مقاسات صغير ومتوسط وكبير كيلا يستغرق إلباس البابا الجديد أكثر من دقائق. فالعالم ينتظر الدخان الأبيض.

خمسة وأربعون دقيقة بعد أعلان الانتخاب يخرج كبير الكرادلة الشمامسة (الكاردينال الفرنسي جان-لوي توران) ليعلن من على شرفة بازيليك القديس بطرس باللاتينية "Habemus "Papam او "أصبح لدينا بابا."

المزيد حول هذه القصة