اسطوانة كورش البابلية وتوماس جيفرسون

أسطوانة كورش
Image caption أسطوانة كورش التي ألهمت جيفرسون

مع بداية الجولة التي تُعرض فيها اسطوانة كورش البابلية في الولايات المتحدة، تستكشف مراسلة بي بي سي كاشيار جونديدي كيف استطاع الملك الليبرالي الشهير الذي يطلق اسمه على الأعمال الحرفية الفارسية القديمة أن يلهم توماس جيفرسون، آحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية.

وتتخذ الاسطوانة المصنوعة من الصلصال، والتي يعود تاريخها إلى نحو ألفين وستمئة عام، شكل كرة القدم الأمريكية، وقد صنعت بأمر من الملك الفارسي كورش بعد أن استولى على مدينة بابل عام 539 قبل الميلاد.

ويشير بعض العلماء إلى هذه الاسطوانة على أنها أول ميثاق لحقوق الإنسان في العالم، كما أنها مكتوبة بالنقوش المسمارية، وتشجع على حرية العبادة في جميع أنحاء الامبراطورية الفارسية، وتسمح للسكان الذين تم تهجيرهم بالعودة إلى أوطانهم.

وخرجت الاسطوانة من المتحف البريطاني على سبيل الإعارة للولايات المتحدة لتعرض في بعض متاحفها في الوقت الذي أصبحت فيه "العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ليست في أحسن حال"، كما يقول جوليان رابي، مدير معارض "فرير أند وساكلر" التي تستضيف القطعة الأثرية البابلية حاليا.

وأضاف رابي: "إنه من الضروري أن يفهم الجمهور الأمريكي إسهام إيران غير العادي في الحياة البشرية."

وقد امتدت الامبراطورية التي أسسها كورش وداريوس من منطقة البلقان إلى آسيا الوسطى في أوج مجدها.

وكانت أول نموذج لدولة تقوم على التنوع والتسامح بين الثقافات والأديان المختلفة، وفقا لمدير المتحف البريطاني نيل ماكغريغور.

لكن الاكتشاف الأكبر بالنسبة لكثير من الناس، كما يقول ماكغريغور، هو "أهمية كورش لهؤلاء الذين كتبوا دستور الولايات المتحدة الأمريكية".

وأضاف ماكغريغور: "إن قصة بلاد فارس، إيران، هي جزء من قصة الولايات المتحدة المعاصرة."

"تحرير اليهود"

وتمثل اسطوانة كورش القطعة الأثرية الأساسية لمعرض بعنوان "اسطوانة كورش وفارس القديمة: بداية جديدة"، والذي يعرض 16 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف البريطاني.

وكانت هذه الاسطوانة المصنوعة من الصلصال على شكل برميل قد دفنت في مدينة بابل بعد أن استولى كورش على المدينة، وأعيد اكتشاف الاسطوانة عام 1879 فيما كان يطلق عليها بلاد ما بين النهرين، وهي العراق حاليا، على يد عالم الآثار والدبلوماسي البريطاني هورموزد راسام.

وتصف النقوش المسمارية المدونة على الاسطونة كيف غزا كورش مدينة بابل بدعوة من الإله البابلي ماردوخ، كما تذكر أيضا كيف حرر كورش الأمم التي استعبدها البابليون، وأعاد آلهتهم العديدة إلى أماكنها المقدسة.

وبالرغم من عدم إشارة الاسطوانة للشعب اليهودي بالاسم، ورد في كتاب كرونيكلز، وكتاب عزرا أن اليهود كانوا من بين هؤلاء الذين حررهم كورش وعادوا لأرضهم لبناء المعبد الثاني.

ويقول ماكغريغور إن هذه الأعمال، والتي فُسرت بالسماح بحرية العبادة وإعادة الأشخاص المهجرين إلى أماكنهم، قد أكسبت كورش سمعة طيبة بوصفه "ملكا ليبراليا ومستنيرا".

وبالإضافة إلى المقتنيات المستعارة من المتحف البريطاني لعرضها في العاصمة الأمريكية واشنطن، تعرض أيضا نسخة من كتاب سيروبيديا، أو موسوعة كورش، وهو كتاب للفيلسوف اليوناني زينوفون حول حياة الملك كورش.

والكتاب هو أحد نسختين تعودان لتوماس جيفرسون، ويحفظان في مكتبة الكونغرس الأمريكي، ونشر هذا الكتاب، وهو باللغتين اليونانية واللاتينية، في أوروبا عام 1767.

وبوصفه تلميذا معاصرا لسقراط، كتب الفيلسوف زينوفون حول كيفية حكم الملك كورش لمجتمع متعدد يقوم على التسامح.

واكتسب الكتاب شهرة خلال عصر التنوير بين المفكرين السياسيين في أوروبا وأمريكا، بما في ذلك هؤلاء الذين صاغوا الدستور الأمريكي عام 1787.

ويقول رابي: "في القرن الثامن عشر، هذا النموذج من التسامح الديني على أساس دولة ذات ثقافات متنوعة، وليست ذات دين واحد مسيطر، أصبح نموذجا للآباء المؤسسين لأمريكا.

وقد أعتمد أناس مثل توماس جيفرسون، الذي صاغ إعلان الاستقلال للولايات المتحدة، وأصبح الرئيس الثالث لأمريكا، على كتاب موسوعة كورش للفيلسوف زينوفون كمرجع لحياة وحكم الملك الفارسي كورش.

وكان الكتاب المقدس مصدرا آخر للحصول على معلومات حول الملك كورش، كما تناول تاريخ غزو بابل وتحرير اليهود.

وأضاف رابي: "ما يعد غير عادي حول الملك كورش، هو أنه ظهر كنموذج لحنكة الأمراء في اثنين من أركان الثقافات الغربية، وهما التراث اليوناني الروماني، والكتاب المقدس."

دولة كورش المستقبلية

ولم يقم جيفرسون بقراءة الكتاب بالتفصيل فقط، ولكنه أوصى أفراد عائلته بقرائته أيضا، وذلك وفقا لكبيرة أمناء معرض فرير أند ساكلر، ماسوميه فارهاد.

وقالت فارهاد إن جيفرسون طلب من أحفاده في رسالة له أن يدرسوا كتاب سيروبيديا.

وأضافت: "لقد كتب جيفرسون: عندما تبدأون في تعلم اليونانية، فإن أول كتاب ينبغي عليكم أن تقرأوه هو كتاب سيروبيديا."

وعلى الرغم من أنه مصدر إلهام للفلاسفة الأوروبيين والأمريكيين، تم التقاط نموذج الدولة التي أنشأها كورش فقط في القرن الثامن عشر في الولايات المتحدة.

وأضاف ماكغريغور: "لم تتمكن دولة أوروبية من إقامة تسامح في هيكل الدولة، فهم فقط كانت لديهم دولة دينية مثل بريطانيا، أو كانوا ضد الأديان مثل فرنسا بعد الثورة."

وسوف تنتقل اسطوانة كورش من واشنطن إلى متاحف أخرى في كل من هيوستن، ونيويورك، وسان فرانسيسكو، ولوس أنجيليس.