أفغانستان: قاتل الأمريكيين بطل في عيون الأفغان

ثمر الدين
Image caption يعتبر الكثير من سكان اقليم فارياب ثمر الدين شهيدا

يحظى الجندي الافغاني القتيل ثمرالدين بتبجيل الكثيرين من ابناء منطقته، وذلك بسبب قتله جنديين أمريكيين في عام 2011 بعد حادثة حرق نسخ من المصحف في كنيسة بالولايات المتحدة.

ووافقت أسرة ثمر الدين على اجراء مقابلة صحفية مع صحفيي بي بي سي، بينوا فيها الاسباب التي حدت به الى قتل الأمريكيين.

في الرابع من أبريل / نيسان 2011، فتح ثمر الدين النار على جنديين أمريكيين في إقليم فارياب شمالي افغانستان، فارداهما قبل أن يلوذ بالفرار.

كانت تلك حادثة واحدة من عدة حالات سجلت منذ عام 2007 قام فيها جنود أفغان بقتل رفاقهم في السلاح المفترضين. وقد قتل اكثر من مئة من العسكريين الغربيين بهذه الطريقة في افغانستان مما شكل واحدا من أخطر التهديدات الأمنية التي يواجهها حلف شمال الأطلسي في السنوات الأخيرة.

وقد تمكن الأمريكيون من العثور على ثمرالدين بعد ثلاثة أيام من فراره. وجاء في تصريح اصدره حلف الأطلسي وقتها انه قتل اثناء "محاولته الهرب من المنزل الذي كان يختبئ فيه."

والجنديان اللذان قتلهما ثمرالدين هما العريف سكوت برجس (32 عاما) والعريق مايكل لامرتس (25 عاما). وكان العسكريان قد وصلا افغانستان قبل مقتلهما بشهرين، وكانا موجودين في فارياب كجزء من الاجراءات الأمنية المصاحبة لاجتماع كان يعقد ذلك اليوم لقادرة أمريكيين ومسؤولين حدوديين افغان في بلدة مايمانا عاصمة الإقليم.

ويقول رفاقهما إن القتيلين كان من العسكريين الحريصين، وانهما كان مستعدان دائما لمساعدة رفاقهما، وقد ترك كل منهما خلفه زوجة وطفلين.

يتذكر قمر، شقيق ثمرالدين، ذلك اليوم جيدا. فقد سمع بأن ثمة حادث لاطلاق النار وقع في مقر قيادة شرطة الحدود ذلك الصباح.

وقال إنه "شعر بالقلق، فاتصل بثمرالدين ليعرف منه ما جرى."

"رفع ثمرالدين سماعة الهاتف بعد رنة واحدة. سألته، هل تعرف أن احدهم اطلق النار على عسكريين أمريكيين في قاعدتكم؟ سألني بدوره عن مكان وجودي آنذاك، فقلت له اني في مركز المدينة، فقال لي: اترك المدينة حالا، انا الذي رميت الامريكيين. اصبت بالذهول ولم أصدقه."

Image caption أصبح قبر ثمرالدين مزارا يؤمه الناس

وفي حقيقة الأمر، ليس من المألوف ان ينجح اولئك الذين يهاجمون الامريكيين في معسكرات الجيش الافغاني في الفرار وفي ترك سجل لما فعلوه وسبب ذلك، ولكن ثمرالدين كان استثناء للقاعدة، إذ تمكن من العودة الى منزل اسرته حيث اخبرهم بمجريات الأمور.

يقول غلام، ابن عم ثمرالدين، إنه هرع الى منزل عمه حال سماعه النبأ، فوجد ثمرالدين هناك وقد تغلبت عليه العواطف.

يقول غلام "عندما اقتربت منه، أجهش بالبكاء. قبلت جبينه وطلبت منه الا يبك."

وكان الاسبوع الذي سبق الحادثة قد شهد تصعيدا في العنف في افغانستان، وذلك عقب ورود انباء تحدثت عن قيام كنيسة صغيرة في الولايات المتحدة باحراق نسخ من المصحف.

وأعطت العبارة التي تفوه بها غلام بعدئذ فكرة عن الدافع الذي حدا بثمرالدين الى القيام بما قام به، إذ قال "قلت له، لقد قتلتهما من أجل دينك ويجب عليك ان تفخر بذلك. فقد كنا جميعا نشعر بالغضب (من حادثة احراق المصحف)."

وتقول أسرة ثمرالدين إن الكثيرين من جيرانهم واصدقائهم ساورتهم نفس المشاعر.

وكانت الاحتجاجات على احراق المصحف قد شابتها اعمال عنف، وعلى الأخص في مدينة مزار الشريف الشمالية حيث اقتحمت جموع المتظاهرين مقرا للأمم المتحدة وقتلت عددا من الموظفين الأجانب العاملين فيه.

وتقول أسرة ثمرالدين إن ابنها تأثر تأثرا بالغا بحادثة احراق المصحف.

وقال نور محمد، احد أشقاء ثمرالدين، إن شقيقه شارك في الاحتجاجات وأخذ بارتياد المسجد المحلي حيث يتذكر الخطيب انه شاهده جالسا في الصف الامامي من المصلين.

وقال نور محمد "قال الملا إن ثمرالدين اخذ ينتحب عندما سمع بحادثة إحراق المصحف. كان ذلك يوم الأحد، وقام بقتل الأمريكيين في اليوم التالي الاثنين. الكل يعرف إن ثمرالدين شهيد، فقد قدم حياته فداء لدينه وللقرآن."

وتقول الأسرة إن ثمرالدين قضى الليلة التالية في منزلها ثم لاذ بمسجد قريب اتصل منه بأحد اصدقائه طالبا منه ان يرتب له مخبأ في منزل خاص. وقد عثر عليه الجنود الغربيون في ذلك المنزل.

ويشارك العديد من سكان المنطقة أسرة ثمرالدين نظرتها الى ابنها على انه بطل. وقالت الأسرة إن الآلاف حضروا تشييع ثمرالدين.

وقال عمه نصرالدين "لقد امتلأت المنطقة بالمعزين، كان منظرا مذهلا."

وقبر ثمرالدين في المقبرة القريبة من منزله مغطى بقماش احمر اللون، وتحيط به البيارق واللافتات التي كتبت عليها آيات قرآنية وعبارات دينية وصور وأبيات تتحدث عن مناقب الفقيد. وقد اصبح القبر مزارا يقصده الناس للتبرك.

ويقول عم ثمرالدين إن اسم ابن أخيه اطلق على مسجد بالمنطقة بطلب من السكان المحليين.

ولكن البعض يساورهم القلق من الكيفية التي اصبح بها قاتل بطلا وشهيدا بين ليلة وضحاها.

فعبدالمنعم مكريت، وهو رجل دين في المنطقة، يقول إنه لا يوجد مسوغ ديني يبرر قتل اولئك الذين قدموا الى افغانستان لمساعدة الشعب الأفغاني.

وقال "جاءوا لخدمتنا، وعلينا تقدير ما يفعلونه لاجلنا."

ومضى للقول "الأفغان مشهورون بكرمهم، ولا يمكننا توجيه السلاح الى جبهة ضيفنا وقتله دون ان نكون قد ارتكبنا معصية وذنبا كبيرا."

وقال "ذهب البعض الى ابعد من ذلك، ونعتوا القاتل بأنه بطل وشهيد، دون ان يعلموا معنى هذه العبارات. إن الاسلام لا يسمح لنا بالتصرف بهذه الطريقة."

ويقول ماكريت إن الجهل والأمية يجعلان من السهل التأثير في عقول الناس.

وتشترك والدة ثمر الدين مع ماكريت في الرأي، إذ لا تعتبر ان ابنها قتل في سبيل قضية كبرى، بل تقول إنها حاولت عبثا ثنيه عن الانخراط في مسلك الشرطة من الاساس.

وقالت "قلت له اذا لم تترك عملك فسأذهب الى شرطة الحدود واقتل نفسي. ولكنه خدم في الشرطة لسنتين تقريبا. لقد ربيته رغم الصعاب، والآن فقدته."

تتوسط منزل الأسرة صورة كبيرة لثمرالدين وعبارات تصف بطولته.

عاش ثمرالدين في هذا المنزل الى ان بلغ العاشرة من عمره. يقول ابن عمه قمر إنه كان طفلا طبيعيا، "وكان شقيا، ولكنه لم يؤذ احدا قط. كان يعشق كرة القدم، ويكره المدرسة."

أسوة بالعديد من الأسر الافغانية عانت اسرة ثمرالدين من التشرد، فقد اضطرت للنزوح الى باكستان لفترة من الزمن قبل ان تعود الى فارياب.

تعزى العديد من الهجمات التي نفذها جنود افغان على رفاقهم الاجانب الى اختراقات من جانب حركة طالبان او خصومات تنشأ بين الجنود الافغان والاجانب سرعان ما تخرج عن نطاق السيطرة. ولكن حالة ثمرالدين قد تؤشر الى أمر اكثر خطورة.

فقد قامت الصحفية الامريكية انا بادخين بدراسة الحادث والتقت برفاق ثمرالدين في شرطة الحدود.

وتقول "قابلت مسؤوله، حيث جلست معه في مكتبه وشربنا الشاي ودخنا السجائر. واكتشفت ان حتى رفاقه في قوات الأمن الافغانية ينظرون اليه بوصفه بطلا."

وتقول الصحفية إن أراء كهذه تشكل تهديدا اخطر على القوات الاجنبية من مسلحي طالبان.

وتقول إن الكراهية الموجهة نحو حلف الاطلسي تدفع البعض الى التصرف بشكل منفرد وليس كجزء من خطة محكمة.

المزيد حول هذه القصة