صراع مالي: القتال في "صحراء المريخ"

Image caption مع ضوء الفجر ظهر مدى اتساع الصحراء

استعادت القوات التي تقودها فرنسا السيطرة على المدن الرئيسية في شمال مالي من أيدي المسلحين الإسلاميين. لكن هناك في قلب الصحراء، يستمر القتال في مشهد يبدو وكأنه من كوكب آخر.

حلّقت الطائرة المروحية في الظلام الدامس وأضوائها مطفأة.

وحينما هبطنا في آخر الأمر، كنا نشعر بحدة الصخور تحت أحذيتنا، لكن لم نكن قادرين على رؤية أي شيء. بدا الأمر وكأننا معزولين عن باقي العالم.

لاحقا، كشف أول شعاع للفجر مدى اتساع هذه الأرض الصخرية في الصحراء، حيث القمم الجبلية والكثبان الرملية التي تمتد عبر المشهد مثل الأوردة.

ومع شروق الشمس، ظهر الجنود واحد تلو الآخر في زيهم العسكري، وهم مستعدون للتحرك ليوم آخر عبر هذه البيئة العدائية.

وكان هؤلاء الجنود ضمن "فيلق الأجانب الفرنسي"، وهي قوة تضم بشكل فريد جنودا من عدة جنسيات. ولدى هذا الفيلق استعداد لغض الطرف عن خلفية المرشحين للانضمام إليه أو سجلاتهم الجنائية.

لكن حاليا، ينضم كثيرون من أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية لهذا الفيلق، لأنهم ببساطة يستطيعون أن يجنوا أموالا أكثر بكثير مما يمكنهم الحصول عليه بانضمامهم إلى جيوش بلادهم.

وصاح جندي روماني "لقد غادرنا لتونا كوكب الأرض، وها نحن الآن على كوكب المريخ."

حينها كنا نصعد تلا صخريا شديد الانحدار، به صخور حادة وملساء.

وكنا نأمل أن نحظى بمشاهدة كل أنحاء هذا الوادي الذي نزلنا به.

وبارتداء السترة الواقية من الرصاص والخوذة، وحمل الحقيبة ومعدات الراديو والتلفزيون والطعام الكافي لليوم وستة ليترات من الماء، كنا نحمل أكثر من 30 كيلو جراما.

بينما كان الجنود، بالأسلحة والذخيرة، يحمل الواحد منهم ضعف هذا الوزن.

Image caption يحمل الجنود معدات ثقيلة

وبحلول الساعة التاسعة صباحا، كنا قد سرنا لمدة ثلاث ساعات، وكانت درجة الحرارة تتجاوز 40 درجة مئوية.

وكانت الموجات الحارة بادية للعيان، وكما وصفها جندي أسترالي فإن "القليل من الهواء يبدو كأن شخصا يضع مجففا للشعر قبالة وجهك."

الجنود كانوا يبحثون في الصحراء عن مقاتلين جهاديين. وكانوا بالفعل قد عثروا على العديد من مخابئهم.

في بعض هذه المخابئ، التي نصبت بالقرب من الآبار القليلة في هذه الأرض القاحلة، كان المسلحون يزرعون الخضروات.

واستمتع الجنود بالخضروات الطازجة كالطماطم والبصل، التي بدت شهية بعد أيام من تناول المؤن العسكرية.

غالبية الجنود خدموا في أفغانستان من قبل. وقال أحدهم إن من أكثر الصعوبات هناك، أنه بمجرد الاشتباك مع العدو كانوا يختفون داخل القرى.

لكن الأمر هنا مختلف، فهم قد يكونوا في أي مكان حولنا. وهم يقاتلون باستماتة.

ولم ندخل في اشتباكات خلال اليومين اللذين قضيناهما مع الجنود. لكننا عثرنا على متفجرات ومواد أخرى خلّفها المجاهدون.

في السابق رأينا أشلاء المفجرين الانتحاريين في مدينة غاو شمالي البلاد. والآن نطالع نوع الأحزمة الناسفة التي كانوا يستخدمونها.

وأوضح مهندس فرنسي متخصص في إزالة الألغام أن تركيب هذه الأحزمة معقد جدا، حيث أن الفتيل فيها مصنوع من النحاس، وهو ما يجعل من الصعب على أجهزة كشف المعادن رصده.

كما كان هناك اسطوانات مليئة بمادة النيترات لصناعة القنابل. وقام المهندس الفرنسي بتفجيرها جميعا قبل أن نغادر المكان.

كان علينا أن نصل إلى تل على جانب آخر بعيد، وكان الضابط المسؤول عن الفيلق، ويدعى الكابتن كليمانت، يشعر بالقلق من أننا سنكون مكشوفين جدا في العراء. وقال "لن نستطيع اتخاذ غطاء إذا حدث أي شيء."

لكن لم يكن هناك حل آخر. كان علينا أن نقوم بذلك مرة واحدة، وبسرعة.

وعندما بدأنا العدو، قال الكابتن كليمانت إن أحد رجاله أصيب بطلق ناري بسلاح قناص منذ أسابيع قليلة.

Image caption الأرض المنبسطة تزيد مخاطر التعرض لهجوم

في نهاية المطاف، وصلنا إلى قمة التل على الجانب الآخر من هذه الأرض الشاسعة والمنبسطة من الصحراء. وسقطنا جميعا على الأرض من التعب.

شعرنا أن الصخور التي كنا نرقد عليها كالفحم المشتعل، لكننا كنا منهكين لدرجة أن الوقوف ببساطة لم يكن خيارا متاحا.

وشعرت بالجفاف في فمي وحلقي. وكانت عملية البلع مؤلمة.

سرنا طوال اليوم تقريبا تحت الشمس الحارقة. وحينما خيم الظلام أخيرا، انخفضت درجة الحرارة في هذه المنطقة ذات الطقس المتناقض بشكل سريع إلى درجة التجمد.

أسجينا حقائب النوم على أرض الصحراء ونحن منهكون، وخلدنا إلى النوم تحت النجوم.

ومنذ أسابيع، يلاحق الجنود الجهاديين سيرا على الأقدام. وقد فقدوا الإحساس بالزمن.

بالنسبة لهم كان هذا مجرد يوم آخر في أقصى شمال مالي، أو كما يطلقون عليه "كوكب المريخ".

المزيد حول هذه القصة