هل صعود قوى منافسة يعني أفول نجم الولايات المتحدة؟

Image caption القاذفة بي – 52 المصنفة من ضمن أسلحة الدمار الشامل الأمريكية في قاعدة مينوت الجوية

إنها لتجربة مثيرة أن أمشي بالقرب جدا من سلاح دمار شامل.

إنها القاذفة بي – 52، واحدة من مظاهر القوة الأمريكية في أقصى صورها.

كنت حريصا على ألا أتعدى الخط الأحمر المحيط بالطائرة فهناك تحذير مكتوب على الأرض ينبه إلى إمكانية استخدام قوة مميتة ضد من يعبر الخط دون تصريح.

قدمت إلى قاعدة مينوت الجوية بولاية داكوتا الشمالية لتصوير حلقة من برنامج رؤساء التحرير " The Editors".

انه برنامج يهدف الى مساعدة رؤساء تحرير برامج البث المباشر في بي بي سي على سبر أغوار سؤال كبير، عسى أن يجدوا إجابة عليه. وكان الموضوع الذي اخترته هو اضمحلال القوة الأمريكية.

ما من دليل على هذا في القاعدة التي كتب فوق بوابتها "الأفضلون وحدهم يتوجهون شمالا".

على أحد جانبي مدخل القاعدة الجوية ينتصب صاروخ قديم من طراز مينتمان.

أسماء الطرق تتسق مع الغرض من القاعدة الجوية: الشارع الباليستي، درب صاروخ كروز. وتضم القاعدة اثنين من أذرع القوة النووية الضاربة للولايات المتحدة، ألا وهما جناح القاذفات الخامس، المعروف باسم "طيور الحرب" وجناح الصواريخ الحادي والتسعين.

تحدثت إلى مجموعة من الشباب والفتيات في القاعدة، إنهم شباب عادي ولكن تبدو على وجوههم امارات الإشراق والبهجة. ولكن المخاوف كانت تساورني بشأن طبيعة عملهم.

مازحتهم بأن الأمور حينما تتأزم في عملنا الإعلامي يهدئ بعضنا من روع بعض قائلين "الأمر كله مجرد تلفزيون". أعتقد أنه من الصعب أن تقولوا أنتم أيضا "إنها مجرد حرب نووية".

إلى جانب ثقة هؤلاء في سير عملهم وفي قدراتهم، فإن لديهم إيمان بنوعية قوة الولايات المتحدة. وهم يؤكدون على أن طبيعة عملهم هي الردع. ويأملون ألا يتم اللجوء لهذه الأسلحة أبداًَ.

عهدت بالامر الى الكابتن كيم براون فهي قادرة على شد الرافعة لإسقاط القنبلة.

كيم براون قالت "بوصفنا فريق هجومي فنحن مسؤولون عن انشطة الاسلحة واسقاط السلاح المناسب على الهدف المناسب".

واضافت "إنها مسؤولية كبيرة".

مسؤولية

سألت كابتن كريس داف عن طبيعة هذه المسؤولية فكان جوابه "إنها مسؤولية اخترت القيام بها، إنها إحدى مهام وظيفتي".

واضاف "من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تنشر الديمقراطية في شتى أرجاء العالم، وقد اثبتت ذلك بالفعل".

وقال "ما زلنا في بلد مسيحي، وأنا مسيحي وتأسست على الاعراف المسيحية، وأنا لدي ثقة بالرئيس وبجميع قيادتي".

ولد كابتن داف في ليفربول ووالداه انجليزيان، لكنه اختار أن يصبح أمريكيا، فهل يعتقد أن الوطن الذي تبناه عظيم وقوي مثلما كان حاله في السابق؟

أجاب داف "نعم إنه كذلك، إن هذه الطائرة عمرها 50 عاما تقريبا ومازالت قادرة على الوصول الى أهدافها وتصل إلى اي مكان في العالم وفي اي وقت".

تلاشي جنون العظمة

خلال السنوات الاربع التي قضيتها في واشنطن العاصمة، شهدت صدور فيض من الكتب والمقالات التي تتحدث عن تراجع القوة الامريكية.

ربما ليس جديداً أن يشعر الامريكيون في العالم بالقلق، فحينما اطلق الاتحاد السوفيتي القمر الاصطناعي "سبوتنيك" عام 1957 تبين للولايات المتحدة بالدليل تنامي التنافس الذي تواجهه، فضلا عن تنامي المخاوف من النفوذ الاقتصادي الياباني في ثمانينات القرن الماضي.

ومما لا شك فيه أن أمريكا تشهد تراجعا نسبيا، فلم تعد قوتها الاقتصادية والدبلوماسية كما كانت عليه سابقا. ومما لا شك فيه أيضا أن ذلك يزعج الكثير من الامريكيين.

لفترة من الوقت كان كل شئ أكبر في الولايات المتحدة مقارنة بدول اخرى – من ناطحات السحاب الى السماء، من الحلم إلى الكابوس. فالاعتقاد السائد منذ القرن التاسع عشر بشأن أحقية التوسع تجاه الغرب ربما دفع إلى تنامي الوهم بأن الأفق لا نهاية له.

لكن هناك جبهات جديدة حاليا تنهض، فيما يتضاءل العالم الامريكي. إن أكبر اقتصاد في العالم أصبح حاليا يعاني من أكبر ديون في العالم.

كما أن اعتقاد تراجع القوة في حد ذاته تؤيده الأحزاب السياسية حتى وان كانت تروج للتفوق الامريكي.

يعتقد الديمقراطيون أمريكا تتراجع نتيجة أوضاع اقتصادية وبسبب رفض الاستثمار في البنية التحتية – ومن ثم فهي تنهار، إذ تشعر في بعض الأماكن كأنما توجد في عالم نام مقارنة باوروبا.

فهم يطلقون حملة يدعمها دافعو الضرائب ضد هذا التراجع، حملة تهدف إلى تخريج موهوبين فضلا عن الاستثمار في تكنولوجيا المستقبل. انها رؤيتهم.

أما القضية بالنسبة للجمهوريين فهي أكثر إثارة للاهتمام وأكثر رومانسية، وتحديدا أكثر أمريكية على الرغم أنها ليس بالضرورة أكثر صحة.

فهم يحذرون من أن أمريكا تنمو بعيدا عن جذورها، واصبحت فريسة للتراجع جراء الديون وزيادة حجم الحكومة على غير المعتاد.

عولمة

غير أنه بوجه عام تمثل حقيقة التراجع جزءا من عملية اعادة توازن تاريخية، وهو شئ نعبر عنه في كلمات مثل "عولمة" او مجموعة "بريكس".

إن النموذج التي تربينا عليه في الغرب – وتربى عليه أيضا – بدا لنا ثابتا وغير قابل للتغير.

نتذكر أن الثروة والقوة كانت موزعة في العالم حتى القرن السادس عشر، كما أن صعود نجم الامبراطورية البريطانية والامبراطوريات الاوروبية الأخرى، بتفوقهم التكنولوجي والعسكرية غير النهائي، أسهم في تفكيك العالم.

وكانت الولايات المتحدة الوريث لذلك، مع زيادة القوة والطموح الى التوسع. فخلال الحربين العالميين كان التدخل الامريكي حاسما، فبدون التزامها السياسي لكانت اوروبا خلف الستار الحديدي، وكانت الخسارة هي المصير في الحرب الباردة.

وفي الوقت عينه تحقق الحلم في الولايات المتحدة، بانتشار الرخاء في الطبقة المتوسطة.

وعلى الرغم من ذلك لا يجب النظر برؤية وردية، فالفقر والتمييز كانا منتشران على نطاق واسع. غير أن ذلك دفع الكثير من الامريكيين الى اعتبار انفسهم بمثابة مقوم نهائي للديمقراطية الغربية.

والآن يشهد العالم إعادة توازن، فالقوة والثروة ستصبح موزعة في شتى أرجاء البلاد. نعم إن الصين ستصبح منافسا للولايات المتحدة واخرون سيصبحون منافسون ايضا.

وقت للتآكل

سيستغرق الأمر وقتا طويلاً لإضعاف شوكة أقوى جيش عرفه العالم – لاسيما عندما تنفق الولايات المتحدة ميزانية أكبر على جيشها مقارنة بالصين وروسيا وبريطانيا واليابان وفرنسا والسعودية والهند والمانيا وايطاليا وكوريا الجنوبية واستراليا.

سيستغرق الأمر وقتا لتآكل هذا النوع من القوة.

فإلى جانب ذلك يعاني الاقتصاد الأمريكي من صدمات كبيرة في الآونة الاخيرة، وربما لم يعد أكبر اقتصاد في العالم، إذ يتنبأ البعض بصعود نجم الصين وتفوقها خلال السنوات القادمة.

وثمة توقعات تشير إلى أن الولايات المتحدة ستصبح بحلول عام 2020 مستقلة من حيث الطاقة، فكل هذه الطاقة الرخيصة لها تأثير بالفعل، إذ تعد أحد العوامل الكامنة وراء عودة الصناعة الى البلاد.

تقول كاثي نيسيت، التي تعمل في قطاع الطاقة منذ ثمانينات القرن الماضي كمستشارة وعالمة جيولوجية "ينتج كل بئر هنا من 800 الى الف برميل يومياً".

وتضيف "هذا النفط يوجد على عمق نحو ميلين تحت أقدامنا وأتوقع أن يستمر انتاجه من عشرين الى ثلاثين عاما اخرى. إنه يشكل أمن الطاقة بالنسية لنا".

والسؤال هل ستدور الدائرة على أمريكا مثلما حدث للامبراطورية البريطانية والامبراطورية اليونانية؟

تؤكد نيسيت "دائرة امريكا مازالت في طريقها، فنحن نعيش حالة من الفورة، وهذا مثال جيد يدل على كيف تأخذنا البراعة الامريكية إلي جبهة أخرى."

ويتفق الكثير من الامريكيين أن بلادهم تتمتع بإمكانية لا نهائية تكفل لها النهوض بنفسها، وتنفض عن كاهلها العثرات، بل وتعيد اكتشاف نفسها.

فمما لا شك فيه أن "صعود نجم الباقين" سيجعل أمريكا تهتز في مكانها، فإلى اي مدى ستكون قوة ضربة صعودهم مؤثرة على الأمريكيين انفسهم، وإلى أي مدى سيكون بمقدورهم التكيف مع الوضع الجديد؟

المزيد حول هذه القصة