كيف يتعامل جراحو لوس أنجلوس مع إصابات منطقة حرب العصابات؟

Image caption فريق الإصابات مدرب على التعامل مع الحالات الحرجة.

تشهد لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا كل عام تسجيل ما يقرب من 2500 حالة إصابة بإطلاقات نارية في المقاطعة، وذلك باستثناء حالات الوفاة، ما يعني أن كل يوم يشهد ما لا يقل عن 6 حالات.

فكيف يتعامل المسعفون والجراحون مع هذا الكم الهائل من سفك الدماء في المقاطعة؟

لم تكد الساعة تتجاوز العاشرة مساء يوم الجمعة، عندما كان الطبيب بيب تالفينغ ينظر إلى جهاز النداء الآلي الذي يحمله في منطقة خاصرته، وهو يطلق صافرته التي تستدعي فريق الاصابات الطبي منذرة بوصول إحدى الحالات إلى قسم الطوارئ.

وبدأ فريقه يستعد لاستقبال تلك الحالة التي نقلت إليهم مصابة بإصابات قاتلة من إطلاقة نارية.

ويعتبر مستشفى مقاطعة لوس أنجلوس وجامعة جنوب كاليفورنيا واحدا من المستشفيات التي تديرها الحكومة والذي تقدم خدماته الطبية لإحدى المناطق الفقيرة.

صعدنا مع الطبيب تالفينغ وفريق المسعفين إلى سطح المستشفى لنجد إحدى المروحيات في مرحلة الهبوط.

وكنت أتوقع أن تنقض مجموعة من المسعفين بجنون على الباب الجانبي للطائرة، وأن يكون الارتباك والهلع هما سيدا المشهد.

إلا أن تلك تعتبر حادثة اعتيادية هنا، حيث كان أفراد الفريق متوجهين نحو الطائرة وهم يتحدثون فيما بينهم بكل هدوء.

وقال الطبيب السويدي تالفينغ "إنه مصاب بأربعة طلقات نارية في مؤخرته ورجليه، إلا أن ضغط الدم مستقر لديه، ولم تبد عليه أية إصابات أخرى."

وكان المسعف يخبر فريق الاصابات بالمعلومات الأساسية عن تلك الحالة أثناء نزولنا في المصعد.

وفي لوس أنجلوس، يرتبط نحو نصف مجموع جرائم القتل بالعصابات هناك. بينما يرى قسم شرطة المقاطعة أن عدد العصابات فيها يصل إلى 450 عصابة يبلغ مجموع أفرادها 45 ألفا.

فيما كان المريض المستلقي على السرير النقال، الذي يعلو الوشم وجهه وجسمه، يتحدث بهدوء مع المسعفين ويخبرهم متفاخرا بأن جسمه قد أصيب بإطلاقة نارية من ذي قبل.

والتفت إليّ أحدهم ليخبرني هامسا بأن هذا المصاب سبق وأن نقل إلى المستشفى أكثر من مرة في السابق.

وفي غرفة الإنعاش، قام الفريق الطبي بتمديده على أحد الأسرة فيما كان دمه يتقاطر من مناطق إصاباته في رجله، وكانت إحدى الرصاصات قد اخترقت قدمه وخرجت أثناء هروبه ممن كانوا يطاردونه، إلا أنه بدا هادئا.

Image caption اعضاء سابقون بالعصابات في لوس أنجلوس يتعلمون كيفية التخفيف من التوتر في الشارع

وقالت إحدى الممرضات: "أمر غير معقول! فمستوى نبضه مستقر تماما."

وبالنسبة لي، فقد تعرضت من قبل لإصابات مختلفة بطلق ناري في حادثة حصلت لي خلال مهمة عمل في المملكة العربية السعودية منذ 9 أعوام، وقد أتيت إلى هنا للتعرف على طريقة التعامل اليومية في مستشفيات لوس أنجلوس مع الإصابات اليومية الناجمة عن جرائم استخدام السلاح.

وفي ناحية أخرى، كان هناك مصاب يتلقى علاجا من إصابته بطلق ناري في الركبة، وكان قد أصيب في شوارع شرق لوس أنجلوس من قبل إحدى العصابات في الغالب، إلا أن المصاب كان يرفض الحديث إلى رجال الشرطة.

"توقف النزيف الداخلي"

ومن حسن حظ ذلك المصاب، فإن أيا من تلك الإصابات لم يكن يشكل خطورة؛ لذا قرر تالفينغ عدم إجراء عملية جراحية له، ما يعني أنه سيعود إلى منزله قريبا.

إلا أن حال الإصابة التي تلتها كانت خطيرة.

حيث كان ذلك المصاب يعاني إصابتين لهما مدخل ومخرج في جانبه.

وأثناء اطلاعه على نماذج الأشعة السينية للإصابات، قال طبيبه الجراح كينجي إينابا "يبدو أن لكل رصاصة منهما مدخل ومخرج. إلا أن ضغط دم المصاب منخفض جدا، ما يجعلنا في حاجة لتدخل جراحي لإيقاف النزيف الداخلي."

وفي غرفة العمليات، وبعد أن ارتدى الجميع القمصان الطبية والأقنعة التي تغطي الفم والأنف، بدأ الفريق الجراحي عملية فتح البطن باستخدام مشرط جراحي نحو الجزء السفلي من الجسم، بينما كان جراح آخر يتابع وراءه بقلم بوفي للجراحة الكهربية.

Image caption ميغول 16 عاما تلميذ بالمدرسة كان محظوظا حيث نجا بحياته بعد ان اطلقت عليه عصابة الرصاص. الصورة التقطها فرانك غاردنر

وأثناء العملية، تنتظر في الردهة الخارجية ممثلة عن مأمور مقاطعة لوس أنجلوس في انتظار نتيجة العملية، وما إذا كان ذلك المريض سيبقى على قيد الحياة أم لا.

وإذا ما عاش المريض، فإنه سيجري تصنيف تلك الحادثة على أنها شروع في القتل. وإذا ما قضى، يتحول ذلك إلى تحقيق في جريمة قتل، ومن ثم يجري نشر المحققين بشكل سريع لمتابعة القضية.

لذا، فقد خرج الجراح ليخبرها بأنه سيظل على قيد الحياة، ما جعلها تبتسم وتتوجه لكتابة تقريرها.

إلا أنه ومنذ 10 سنوات، لم يكن ذلك ليحدث.

حيث إن الطريقة التي يتعامل بها هذا المستشفى وغيره من مراكز الإصابات الطبية من الدرجة الأولى التي تعالج إصابات الطلق الناري قد شهدت تطورا كبيرا.

ورئيس وحدة الاصابات في المستشفى هو الجراح اليوناني الشهير ديميتريوس ديميترياديس، ويعرف باسم "دوبل دي"، وهو يعمل في المستشفى منذ عام 1992 وقد أشرف على عدد من التغييرات الكبيرة في طريقة عمل الوحدة.

وقال ديميترياديس: "إن أحد الأسباب الرئيسة التي أحدثت فرقا هائلا في النتائج يتمثل في تشكيل مراكز الإصابات. وفي الإصابات الشديدة، فإن التوجه إلى مركز للتعامل مع الإصابات يزيد من فرص النجاة بنسبة 25 في المئة."

لذا، فإنه أصبح من الشائع في الوقت الراهن نقل الشخص المصاب إلى أقرب مركز للتعامل مع الإصابات في أسرع وقت ممكن.

كما أن التغيير الآخر يتمثل فيما يحدث منذ دخول المصاب إلى المستشفى. حيث كان الجراحون يفضلون في السابق محاولة إجراء جراحات كاملة بسيطة وذلك خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من الإصابة.

التحكم في الضرر

وقال إنابا "وعلى الرغم من أن المريض يجري معالجة جرحه بطريقة متقنة، فإنه قد يفارق الحياة بعد ذلك، حيث إن الجسم لم يتقبل تلك الجراحة."

لذا، فإن التركيز حاليا يكون على التحكم في الضرر والمحافظة على استقرار حال المريض، إضافة إلى إيقاف النزيف الداخلي.

أما في حالتي، فقد كنت محظوظا بدرجة كبيرة. وكان بيتر بوتز الطبيب الجراح من جنوب إفريقيا هو من أجرى لي العملية التي حافظت على حياتي عام 2004، وهو أحد الرواد المخضرمين في ذلك النوع من العمليات التي كانت مثيرة للجدل آنذاك.

ويقول ديميترياديس إن معدلات الوفاة من الإصابة بالإطلاقات النارية قد انخفضت لتصبح بمعدل 3 حالات من كل 100 ألف، بدلا من المعدلات التي كانت سائدة خلال السنوات العشر الاخيرة، حيث كانت الوفيات تصل إلى 7 حالات من كل 100 ألف.

وقال آندرو بلانكستاين، مراسل شؤون الجريمة في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" والحائز على جائزة بوليتزر "إذا ما نظرت إلى أغلب الجرائم التي تشهدها مدينة ومقاطعة لوس أنجلوس، يمكنك القول بأنها جرائم إطلاق نار."

وأضاف قائلا: "تحدث تلك الجرائم بشكل عام نتيجة اقتتال العصابات على المخدرات وعلى مناطق سيطرة كل عصابة، كما أنها تحدث بين أشخاص يكونون على معرفة ببعضهم البعض أو يتعاملون مع بعضهم البعض. فالجرائم العشوائية التي يخشاها العامة ويستهدف فيها أفراد العصابات أشخاصا غرباء ليست منتشرة هنا."

فقد أصيب كارلوس باريينتوس بإطلاقات نارية أطلقتها إحدى العصابات في مارس/أذار، ومن المحتمل أن تكون تلك الحالة نتيجة خطأ في التعرف على الشخص المستهدف.

مشارفة على الموت

وتلقى باريينتوس 16 رصاصة، ولا يزال طريح الفراش على أحد أسرة المستشفيات وجسمه متصل بخراطيم وشاشات تراقب وظائف جسمه.

وقال لي بصوت واهن "استفقت من غيبوبتي بعد 3 أسابيع من الإصابة، وطلبت من الله أن يرعاني ويحفظ لي قوتي لأرعى طفلتي الصغيرة التي أحبها."

وأضاف قائلا "من الممكن لأي أحد أن يتعرض لتلك الحادثة، ويمكن أن يكون ضحاياها من الأبرياء. لذا فإني أشكر الله أنني ما زلت على قيد الحياة."