كيف أثر اعتداء ولتش وتداعياته على المجتمع البريطاني؟

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

عندما يكون العنف مرئيا يتضاعف حجم الصدمة التي يحدثها. لمست هذا كثيرا في تغطيتي للنزاعات المسلحة على مدى سنوات في مهنتي كصحفي. لكن تجربة تغطية مقتل الجندي البريطاني لي رغبي واثارها كانت مختلفة.

تابعت الخبر حين حدوثه بعد ظهر يوم الاربعاء الثاني والعشرين من مايو ايار 2013.

الصور الاولى التي عرضتها محطات التلفزيون البريطانية كانت لرجل يحمل سكينا ويداه ملطختان كلية بالدماء، يتحدث عن كيفية قيامه وصديق له بقتل جندي بريطاني.

ردد الرجل شعارات وعبارات اسلامية تشي بهويته ودوافعه.

في وضح النهار ووسط جمع من اهالي منطقة ولتش جنوبي لندن وقف الرجلان ذوي الاصول الافريقية اللذان تبين لاحقا انهما تحولا من المسيحية الى الاسلام قبل سنوات، وقفا يلوحان بسكاكينهما ويدعوان الاهالي الى تصويرهما بهواتفهم النقالة.

كم هائل من ردود الفعل الغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي التي كنت ارقبها على جهاز هاتفي وانا في مكان آخر في لندن. في الحقيقة كنت عائدا من تغطية قصة اخرى يرافقني مصور اسكتلندي في سيارة اجرة يقودها سائق من رومانيا، مثل صغير على حجم التنوع في المجتمع البريطاني وفي لندن خصوصا.

طالما احتفت وتباهت لندن وبريطانيا عموما بهذا التنوع الثقافي، فكم تؤثر صدمة مثل التي ولدتها حادثة ولتش على العلاقة بين المجتمع البريطاني والمسلمين فيه وهم يشكلون اكبر اقلية دينية في بريطانيا؟

هذا كان السؤال الابرز الذي يدور في رأسي حينما وصلت الى مركز البي بي سي في وسط لندن.

كانت الشرطة قد وصلت الى موقع الحادث واعتقلت المشتبه بهما بعد ان اطلقت عليهما النار واصابتهما بجراح.

إنخرطت في عملية تغطية الحادث وتداعياته.

أول ردود الفعل الواردة من ولتش بعثها احد الزملاء بالخبر ثم بالصور: أشخاص يتظاهرون قرب مسرح الحادث، بعضهم ملثم، يتحدثون بغضب عما يقولون انه خطر التشدد الاسلامي. إنهم ناشطو رابطة الدفاع الإنجليزية اليمينية المتطرفة، وهي مجموعة تشكلت قبل ثلاث سنوات للاحتجاج على "التشدد الاسلامي" في بريطانيا، أو على الأقل هكذا يعرفون انفسهم.

Image caption زعيم الحزب الوطني البريطاني نك غريفين يقود أنصاره في مظاهرة بلندن

وأنا ارقب التطورات الميدانية فتحت صفحة الرابطة على موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي فوجدت عدد اعضاء الصفحة ومؤيديها يتضاعف بسرعة.

الحكومة البريطانية اكدت منذ الساعات الاولى على ضرورة الا يربط الحادث، باحتمال قيام اسلاميين متشددين به، بالإسلام والمسلمين عموما.

ولكن ماذا يعني هذا وكم يؤثر؟ سؤال وردني عبر الهاتف من احدى معارفي وهي سيدة عربية تعيش في لندن منذ سنتين ارعبتها التطورات.

طمأنتها وحذرتها ولا أدري كيف أوصلت لها الرسالتين في وقت واحد. فالتوتر مستمر وتداعيات الحادث لم تتوقف.

جاء الليل ولكنه لم يجلب السلام، الأيام والليالي التالية شهدت عشرات الإعتداءات على جوامع ومراكز إسلامية.

لم يقتل احد - كان هذا مهما - ولم يكن هناك الكثير من العنف لا من الغاضبين ولا من المسلمين، ولكن الاثر النفسي لم يكن هينا.

على مدى الاسبوعين التاليين قمت بتغطية اكثر من احتجاج نظمته رابطة الدفاع الإنجليزية، لكن تظاهراتهم واجهت خصما شرسا لم يتمثل في المسلمين تحديدا ولكن من تجمع "متحدون ضد الفاشية" اليساري.

لم يترك التجمع أي مظاهرة للرابطة في لندن وفي انحاء بريطانيا الاخرى من غير ان يحشد مظاهرة مقابلة تدين ما تقول انه عنصرية الرابطة وانصارها.

الحزب الوطني البريطاني اليميني المتطرف حاول ان ينظم مظاهرة من ولتش الى احد المساجد القريبة. مظاهرة اخرى ضد التشدد الاسلامي.

كانت تغطية المظاهرة، وهدفها ايضا مجابهة التطرف الاسلامي، من ضمن واجباتي.

لم توافق الشرطة البريطانية على مسار المظاهرة قائلة إنه قد يؤدي الى عنف وتوتر، فاضطر أعضاء وأنصار الحزب الوطني الى نقلها الى وسط لندن قرب مقر البرلمان البريطاني لكنهم واجهوا هناك مظاهرة مقابلة اكبر حجما نظمها اليساريون.

وعلى مدى ساعات وقفت أراقب وأنقل مواجهة بين مجموعتين من الشعب البريطاني تفصل بينهما العشرات من قوات وحواجز الشرطة واختلاف هائل في المبادئ والرؤى.

كان اليساريون اكثر عددا وأشد غضبا، "الحزب القومي حزب نازي يجب سحقه"، هكذا رددوا فيما نعتهم خصومهم بالخونة.

لم يستطع انصار الحزب القومي من المسير فاكتفوا بالتجمع بينما نجح اعضاء تجمع متحالفون ضد الفاشية في قطع طريق المسيرة كما أرادوا.

انتهت جولة من جولات المواجهة بين الطرفين.

أما الصراع بين طبقات المجتمع البريطاني الأوسع الذي تمثله سياسيا احزاب اكبر فلم يكن بهذه الحدة.

فالغالبية ترفض الربط بين الارهاب والاسلام رغم قلقها من خطر التشدد أينما كان.

أسبوعان حافلان في بريطانيا ونقاشات كبرى في كل وسائل الاعلام الحديثة والتقليدية وفي احاديث الناس.

مادة مهمة للصحفيين، وانا منهم، بلا شك، لكن قياس ودراسة التأثير الذي تركته حادثة ولتش ستكون مهمة المؤرخين وعلماء الاجتماع.