الرمزية المشتركة بين أحداث الاضطراب الشبابية في العالم

قد تختلف اللغة والمنطقة الزمنية، إلا أن رمزية الاحتجاج لا تختلف تماما من تركيا وبلغاريا إلى البرازيل.

فكل تلك الاحتجاجات لا تخلو من ذلك القناع الرمزي للشخصية الثورية غاي فوكس، كما أنها لا تخلو من نصب الخيام وأقنعة الغاز والخوذات المرتجلة التي تصنع في مواجهة الغاز المسيل للدموع الذي سيتخدم كطريقة للعقاب الجماعي.

كما تجد في تلك الاحتجاجات أيضا لافتات مكتوبة بخط اليد تعبيرا عن التحدي لسلطة الدولة، والتشابه مع الاحتجاجات الجماعية من العام الماضي.

ولا يمكن إغفال العامل الرئيسي في تلك الاحتجاجات، ألا وهو عامل الشباب.

ففي متنزه غيزي باسطنبول، وقبل إخلائه من قبل قوات الشرطة، كنت أرى المراهقين من طلبة المدارس يرتادون ذلك المكان في مجموعات صغيرة عصر كل يوم، ويحتلون ما تبقى من أماكن في ذلك المتنزه حتى يقوموا بأداء واجباتهم المدرسية.

وكانت الصور المأخوذة من ساو باولو في البرازيل تحمل الرسالة نفسها.

تجاوز الدولة

وفي كلتا المدينتين، استخدم أولئك الذين نشأوا في حقبة ما بعد الأيديولوجية ما يمكنهم استخدامه من الرمزية لإخبار قصتهم معبرين عن غضبهم بطريقة متحضرة ومتمدنة، وأصبح علم البلاد وقميص فريقها الوطني علامة مميزة للاحتجاجات في كل من اسطنبول وساو باولو.

لكن ما الذي يحرك موجة الغضب إذن؟

عندما كنت أغطي أحداث الاضطراب في بريطانيا وجنوب أوروبا عام 2011، كانت الإجابة واضحة أمامي. حيث فقد جيل كامل من الشباب وعودا اقتصادية كان قد وعد بها، فهم سيكونون في حاجة إلى العمل حتى نهاية العقد السادس من أعمارهم، وسيتخرجون من الجامعة بديون ستثقل كواهلهم بقية العمر.

واشتكى الطلبة الأمريكيون عام 2009 من الوظائف التي يحصلون عليها بعد تخرجهم من الجامعة، كونها في الغالب هي نفس الوظائف التي كانوا يشغلونها بشكل مؤقت أيام الجامعة.

كما أنني التقيت مهندسين مدنيين مؤهلين في اليونان كانوا يعملون على خدمة موائد الطعام في المطاعم، وجاء لقائي بهم في أحد أحداث الشغب ليخبرك بكل ما تريد معرفته.

أما مع العالم العربي فبدا الأمر مختلفا. فمن الخارج، كانت تلك الدول تمثل اقتصادات سريعة النمو، في حالة مثل دولة ليبيا التي كانت تشهد تسارعا شديدا في ذلك النمو. إلا أن ما يميز تلك الموجة من عدم الاستقرار يتمثل في أن ذلك الجيل يعد الجيل الأول الذي تشكلت شخصيات أبنائه من خلال تعامله مع تكنولوجيا المعلومات والإعلام الاجتماعي.

ونحن ندرك ما يمكن حدوثه نتيجة لذلك، فقد أدى ذلك إلى تجاوز إعلام الدولة ورقابتها وإعلامها الحكومي، كما حدث في مصر عندما فقد التلفزيون المصري الرسمي مصداقيته بشكل كامل خلال الأيام الأولى من الانتفاضات المضادة للرئيس المصري آنذاك حسني مبارك.

وفي هذا الشهر، وعندما عمدت محطات التلفزيون التركي إلى سلوك النهج نفسه، واجهت كما كبيرا من الشكاوى والانتقادات.

وفي حديثه معي، قال أحد أساتذة العلوم السياسية "إلا أن أغلب تلك الشكاوى جاءت من أناس تعدت أعمارهم 35 عاما. فالشباب لا يشاهدون التلفاز، ولا يصدقون في كل الأحوال ما يذكر في تلك الأخبار."

كما يلعب الإعلام الاجتماعي دورا رئيسيا في تسهيل عملية التنظيم السريع لتلك الاحتجاجات، والتفاعل اللحظي مع الممارسات القمعية، إضافة إلى شن حرب إعلامية ناجحة من شأنها أن تخرج الإعلام بصورة تافهة.

وعندما وصلت إلى اسطنبول، كان بعض من أعرفهم في الأسواق المالية يتساءلون عن السبب وراء احتجاجهم، بينما تعتبر هذه المدينة واحدة من أسرع المناطق نموا في العالم.

وعندما تنزل إلى الشارع، فإن الإجابة ستكون أكثر وضوحا. ففي المقام الأول، كان العديد من الشباب المتعلم الذين تحدثت إليهم يشتكون من أن "الثروات لا تذهب إلا إلى النخبة الفاسدة". وأشار العديد منهم أيضا إلى أنه وعلى الرغم من كونهم أطباء ومهندسين مدنيين إلى غير ذلك من المهن الأخرى، لم يكونوا قادرين على تحمل نفقات مسكن يعيشون فيه.

"أناس عاديون جدا"

إلا أن الشكاوى جاءت أكبر من ذلك، فهم شعروا بأن حكومة حزب العدالة والتنمية المتدينة المحافظة تصطدم مع حرياتهم، ورأوا في التعامل القاسي من قبل قوات الشرطة مع الخيام المشاركة في تلك الاحتجاجات البيئية في متنزه غيزي مثالا على انتزاع الحرية منهم.

وفي ساو باولو، تأتي الشكاوى في صورة أكثر اجتماعية، حيث ظهرت إحدى اللوحات في تلك الاحتجاجات مكتوبا عليها "ملاعب كرة أقل، ومستشفيات أكثر." فارتفاع أسعار المواصلات، إلى جانب إصرار الحكومة على وضع البنية التحتية والملاعب الرياضية في الأولوية، كان سببا في اندلاع تلك الاحتجاجات.

إلا أنه وخلال الأسبوع الماضي، كان اعتقال أحد الصحفيين لكونه يحمل بعض الخل –حتى يقاوم به مفعول الغاز المسيل للدموع-، إضافة إلى إصابة أربعة من الصحفيين بالرصاص المطاطي، سببا في تصاعد وتيرة الأحداث.

وفي كلتا الحالتين، كان نشر المحتجين صور الممارسات الوحشية للشرطة بشكل سريع سببا في تضخيم ما تقوم به الشرطة.

لذا فإن انطباعي من خلالي عملي لثلاثين عاما عن استخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات ومدافع المياه كان من شأنه أن يدفع الشرطة في جميع أنحاء العالم نحو مستويات أكثر تشددا من التعامل مع المتظاهرين الذين ينزلون إلى الشارع دون نية في ارتكاب أعمال عنف، وهو ما يتسبب في زيادة حدة احتجاجهم.

وعلى الرغم من أنها تأتي في مقارنة أقل، إلا أن الاحتجاجات التي شهدتها بلغاريا خرجت لمواجهة الفساد لا الفقر، كما أنها خرجت في مواجهة الديمقراطية المصطنعة، والنخبة المستعدة لاقتناص نصيب الأسد من الثروة التي تجنى من النمو الاقتصادي.

وباختصار، وكما حدث عام 1989، عندما فضلت شعوب أوروبا الشرقية حرية الفرد على الشيوعية، فإن الرأسمالية ينظر إليها اليوم على أنها حكم النخبة غير المسؤولة، والافتقار إلى المسؤولية الديمقراطية الفعالة، إلى جانب الممارسات القمعية من قوات الشرطة.

وقد بينت الأحداث التي وقعت خلال ثلاثة الأعوام الماضية أن الأشخاص العاديين جدا قد عرفوا طريقهم في مواجهة تلك الممارسات.