تركيا: استقطاب بلا اتجاهات واضحة

Image caption شهدت تركيا احتجاجات غير مسبوقة مناهضة لحكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

في ميدان تقسيم وحديقة غيزي بدأت الحكاية، التي باتت معروفة، بشجرة رفض نشطاء البيئة أن تقتلع من مكانها أو مجمع تجاري رفض معارضون بناءه مكان الحديقة، لينتهي الأمر بحركة احتجاج ضد أساليب الشرطة العنيفة وفق ما يقوله النشطاء.

لكن الانقسام السياسي الذي خلفته التظاهرات في تركيا بقي محصورا في إطار عناوين عامة.

كما لا يزال الاستقطاب في هذه المدينة، التي يصفها البعض بهمزة الوصل بين أسيا وأوروبا، أقل وطأة مما هو عليه في بعض مناطق الشرق الأوسط.

قال كثير من المحللين إن ما يجري هو انعكاس لصراع بين الإسلام السياسي والعلمانية، غير أن هذا التوجه في التحليل ليس بديهيا.

التقيت خلال الأيام القليلة الماضية بعدد من النشطاء والمثقفين الأتراك، وأيضا بمؤيدين للحكومة التي يديرها حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية.

وباستثناء بعض القوميين المتشددين في التزامهم بالعلمانية التي أرساها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال اتاتورك مطلع القرن الماضي، لا يرى آخرون أن تركيا تواجه فعلا خطر فرض الشريعة الإسلامية رغم الصراع السياسي الموجود.

أحد هؤلاء هو رون مارغيليوس، الكاتب والصحافي اليساري الماركسي.

زرته في شقته في اسطنبول، وما لفتني بداية الآيات القرآنية المعلقة على جدران منزله، واللوحات التي تستمد الهامها من التراث العثماني.

لم استغرب عندما علمت أنه يهودي، فكثير هم المثقفون اليساريون اليهود في العالم الذين أخذوا على عاتقهم محاربة رهاب الإسلام أو ما يعرف بالاسلاموفوبيا.

ومن هنا، بدأنا حديثنا.

عنف مفرط

Image caption رون مارغيليوس يؤكد على حق الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في أن تحكم.

قال لي رون إن عدوى الإسلاموفوبيا، والعنصرية ضد العرب والمسلمين، موجودة في تركيا كما هي موجودة في الغرب.

بل يمكن لمس آثارها في صفوف بعض اليسار التركي، وفق الكاتب اليساري الاسطنبولي.

يؤكد رون مارغيليوس على حق الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في أن تحكم.

ويشير إلى إن القوى، التي شاركت في الاحتجاجات، تمثل خليطا غير متجانس من الآراء والتيارات السياسية والفكرية.

ففيها الأحزاب الشيوعية الصغيرة وهي تعد بالعشرات في تركيا، وأعداد المنتسبين إليها قليلا نسبيا، وفيهم الكماليون نسبة إلى أتاتورك والقوميون.

يرى رون أن هذه الحكومة استطاعت الحد من نفوذ الجيش في الحياة السياسية، بينما يرغب بعض خصومها بي أوساط المعارضة القومية في أن يتدخل الجيش لتنفيذ انقلاب عسكري.

ويعتقد أن مسألة الانقلاب هذه لم تعد واردة اليوم.

ويأخذ الكاتب اليساري على الحكومة التركية أنها تعاملت بعنف مفرط مع المتظاهرين في تقسيم، فرغم أن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان كان أعلن تحويل قضية بناء المجمع التجاري في حديقة تقسيم إلى القضاء ووعد بإجراء استفتاء حتى إذا قررت المحكمة شرعية هذا البناء إلا إنه أعطى تعليماته للشرطة باقتحام الميدان والحديقة عشية السبت.

ويقول إن نقاشا كان موجودا في أوساط المحتجين في تقسيم عشية تدخل الشرطة بشأن اخلاء الحديقة والساحة أو الاستمرار في الاعتصام، وأن توجها كان موجودا فعلا لإخلاء تقسيم والاحتفاظ بوجود رمزي للمعتصمين.

وجهة نظر رون ليست السائدة فعلا في أوساط الحراك في تركيا.

دفع تركيا للهاوية

أكثر من ناشط أو مواطن من المعارضين لحزب العدالة والتنمية يرى أن هذه الحكومة تستهدف الحريات السياسية وتهدد فعلا النظام العلماني.

لكن موقف المعارضة السياسية التركية التقليدية بدا متفاوتا تجاه ما يجري من أحداث.

حزب الشعب الجمهوري وجه انتقادات كبيرة للحكومة ولكيفية تعاملها مع الاحتجاجات، لكنه رسميا لا يشارك فيها مع أن العديد من انصاره موجودون فعلا في المظاهرات، وخصوصا في ازمير ونقرة.

أما حزب الحركة القومية، الأقل تأثيرا، فيدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة متهما أردوغان بممارسة الاستقطاب السياسي وبدفع تركيا إلى الهاوية.

ويبدو حزب السلام والديمقراطية التركي ذو القاعدة الكردية متحفظا.

فهذا الحزب الذي يعتبره الاتراك بشكل عام واجهة لحزب العمال الكردستاني، يشارك أنصاره فعلا في الاحتجاجات، لكن مشاركتهم تبقى ضيقة النطاق، إذا ما قورنت بحجم هذا الحزب وسط الأكراد والتظاهرات الكبيرة التي اعتاد على تنظيمها.

ويعود ذلك إلى أن الحكومة التركية عقدت اتفاقا مع حزب العمال الكردستاني ومقاتليه انسحب بموجبه العديد منهم الى جبال قنديل في كردستان العراق.

كما التقى رئيس الاستخبارات التركية حقان فيدان عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في سجنه في جزيرة امرلي، والمحادثات بينهما متواصلة.

وبدأت الحكومة فعلا مناقشة مقترحات أعدها حزب السلام والديمقراطية تشمل مشاريع قوانين إصلاح أبرزها الغاء قانون مكافحة الارهاب والاستعاضة عنه بأحكام القانون الجنائي العادي.

واذا استطاعت الحكومة والحزب الاتفاق في البرلمان على إصلاحات ترضي الطرفين فإن ذلك سيعتبر تدشينا للمرحلة الثانية من مسار السلام الكردي التركي.

هذه الصور السياسية للواقع التركي، تجعل الاستقطاب الموجود في البلاد غير واضح الاتجاهات.

العنف الذي استخدمته الشرطة برأي محللين ونشطاء ربما يؤدي إلى تجدد الاضطرابات، لكنها لا تشبه ما أطلق عليه في الشرق الأوسط الربيع العربي.

وهو ما يتفق عليه حتى معارضون.

"ربيع تركي"

Image caption شبه اوزان الاحتجاجات بتلك التي شهدتها مصر بعد مبارك، عندما انتفض المحتجون ضد حكم العسكر ولاحقا ضد الرئيس محمد مرسي.

بينما كنت في ميدان تقسيم وسط عشرات المعتصمين الصامتين، تحدثت إلى امرأة معارضة للحكومة، لكنها ما إن علمت أنني أمثل هيئة الاذاعة البريطانية حتى بادرتني بالقول إن على "بي بي سي" ألا تصور ما يجري في تركيا على أنه حرب اهلية.

بالنسبة إليها اذا كان يوجد ربيع عربي فلا وجود لربيع تركي، وتركيا دولة ديمقراطية.

واستدركت بالقول إن على أردوغان إذا كان يعتبر أن نصف الشعب معه فعليه أن يستمع إلى النصف الآخر.

وهذا ما يتفق معه اوزان تاكين الناشط في الحزب الثوري الاشتراكي العمالي التركي.

شبه اوزان ميدان تقسيم بميدان التحرير في مصر في مرحلة ما بعد مبارك، عندما انتفض المحتجون بداية ضد حكم العسكر ولاحقا ضد الرئيس محمد مرسي.

لكنه لا يرى ان في تركيا حكومة اسلامية، ولا يرى خطر "الأسلمة".

أحد أوجه المشكلة بالنسبة إليه هو برنامج الحكومة المحافظ الذي يسعى إلى فرض قيود على بيع الخمور أو التشدد بالنسبة للإجهاض.

ويشير أوزان إلى أن هذا التوجه هو عبارة عن برنامج محافظ يشبه برنامج أي حزب مسيحي ديمقراطي في أوروبا.

أحد مؤيدي الحكومة طلب مني أن أراجع مواد الدستور، في الدستور التركي المادة خمسة وثمانين تنص على حماية الشباب، هي مادة ينطلق منها المحافظون بشكل عام لاقتراح تشريعات تحد من الحريات الشخصية، لكنها ترتكز بذلك إلى الدستور العلماني نفسه الذي وضع في القرن الماضي، ولم يدخل حزب العدالة والتنمية عليها تعديلا.

النقاش السياسي في تركيا لا يتوقف، حيوية هذه المدينة واضحة، الهويات التي تحملها متنوعة.

إرث عثماني ودستور علماني وحزب حاكم ذو جذور اسلامية وميل إلى أوروبا ودور إقليمي في الشرق الأوسط وهو ما يطرح تحديا خلال السعي للتوفيق بين كل هذه الهويات في دولة ديمقراطية واحدة.