"بانتظار 2014" في افغانستان

"متى ستتزوجان؟"

كان هذا أول سؤال أوجهه عند وصولي الى كابول مؤخرا لصديق عزيز ما برح منذ سنوات يقص لي عن حبه الجارف لخطيبته.

أجابني "إني انتظر ما سيحصل في 2014، وسأقرر بعد ذلك."

عبارة "بانتظار 2014" اصبحت من أكثر العبارات استخداما في افغانستان، حيث يزداد القلق ويتصاعد ازاء الاتجاه الذي ستأخذه البلاد عقب انسحاب القوات الغربية بشكل نهائي.

وعندما يتعامل الافغان العاديون هذه الايام مع المناسبات والاحداث التي تزخر بها الحياة كالولادات والوفيات والزيجات، فإنهم دائما يفكرون بما قد تجلب لهم الأيام بعد ذلك التاريخ وينشغل تفكيرهم بأسئلة كثيرة.

هل سيزداد العنف سوءا؟ هل ستتمكن قوات الامن الافغانية من بسط سيطرتها على الموقف في عموم البلاد؟ هل تعود الحرب الاهلية؟

سألني صديقي "لقد عدت توا من لندن، ما الذي سيحدث حسب علمك؟"

وجه لي العديد من الافغان هذا السؤال بقلق شديد.

تكديس النقد

يقول صاحب مخزن الملابس في مدينة مزار الشريف الشمالية عزيز شاه البالغ من العمر 38 عاما إن هذا الشعور بالكارثة المقبلة ادى الى انخفاض كبير في الملابس التي يبيعها.

يقول شاه "لم يعد الناس ينفقون كما كانوا في السابق، فالكل قلقون حول ما سيحدث في 2014."

ولعل السبب في هذا القلق ماضي افغانستان المضطرب، فالبلاد اشتهرت بحكوماتها الهشة التي سرعان ما تنهار تحت ضربات حركات التمرد والغزو الخارجي.

وعندما انسحبت القوات السوفييتية من افغانستان عام 1989، سقطت البلاد في براثن حرب أهلية استمرت لسنوات.

وفي بعض المناطق الافغانية، ليس الخوف من 2014 خوفا نظريا فقط بل هو حقيقي وكذلك تأثيراته. فبينما تبدأ القوات الغربية انسحابها التدريجي بدأت قطاعات من الاقتصاد تعاني من ذلك.

وأكثر هذه القطاعات تأثرا هو قطاع البناء الذي كان في يوم من الايام يشهد نموا انفجاريا.

ولكن الآن، نرى الدور التي كان يؤجرها مالكوها للجنود والمقاولين الغربيين لقاء آلاف الدولارات شهريا وهي فارغة.

كان عبد الأحد يعمل دلالا للعقارات في اقليم هيرات، ولكنه اضطر لترك المهنة بعد ان انهارت اسعار العقارات الى النصف. ويبحث عبدالأحد الآن عن عمل في العاصمة كابول.

ويقول "يحاول الناس تكديس ما يستطيعون من نقود تحسبا لما قد يأتي به المستقبل."

كما تقلصت فرص العمل في فترة التحسب هذه.

كان أحمد صميم يتقاضى اجرا جيدا عندما كان يعمل مترجما للقوات الغربية شمالي افغانستان.

ويقول "اعتقد جازما أن النمو الذي شهدناه في افغانستان كان وهما منذ البداية."

وليس صديقي العاشق هو الوحيد الذي اضطر الى تأجيل زواجه، فالافغان الذين اشتهروا باقامة الاعراس الباذخة التي يدعى اليها الف او اكثر من المدعوين لم يعودوا كذلك. ففي الفترة التي قضيتها في كابول لم أدع الا الى عدد قليل من الاعراس لم يتجاوز عدد المدعوين فيها الـ 200.

وقال محمد زلماي، وهو صاحب فندق في كابول، "كنا نستضيف عددا كبيرا من الاعراس حتى العام الماضي، ولكن الآن يفضل الناس اقامة الولائم في دورهم."

"ننظف الشوارع"

خلاصة الأمر، هناك شعور عام بالكآبة، ومن السهولة ان يرضخ المرء لليأس والعجز.

ولكن هذا الشعور يعتمد ايضا على المكان الذي يعيش فيه الشخص في افغانستان.

فأنا شخصيا ترعرعت في الجزء الشمالي من البلاد وشهدت نمو الطموح والاقدام - نتيجة الفقر - اللذين اصبحا السمة المميزة للشباب الافغاني. فعلى خلاف الجنوب والشرق حيث المخاوف الامنية تطغى على سواها يخشى الشماليون التأثيرات الاقتصادية لما قد تؤول اليها الأمور.

أما بالنسبة لسكان المناطق الريفية والمزارعين، فهم مهتمون أكثر بالحصاد مما قد يحصل في 2014.

ولكن بعد ان عاشوا لسنوات طويلة في ظل الحروب، تعود الشبان الافغان على أداء ادوار متعددة والعمل بأكثر من وظيفة وذلك في جهد ليصبحوا قوة من اجل التغيير في البلاد.

يقول ميروايس رحماني، وهو عضو في جماعة خيرية تدعى "جهش" "نحن نجمع الاموال ونشتري بها ملابس واغذية من اجل الفقراء. نحن قلقون على المستقبل، ولكن التهرب من المسؤولية ليس الطريق الامثل لمواجهة هذا القلق."

صحبتني فريدة أكبر، وهي واحدة من النسوة القليلات اللواتي يقدن السيارة في كابول، في جولة في شوارع العاصمة بسيارتها التويوتا الفضية.

قالت لي فريدة وهي تشير الى احد شوارع العاصمة "لدينا جماعة خيرية تدعى هاديا تتولى تنظيف هذه الشوارع، إذ تقوم بغرس الشتلات كما نتبرع بالطعام ونوزع الزهور على النساء في يوم المرأة."

هذان نموذجان لجيل شب في العقد الاخير وشهد مستويات غير مسبوقة من التدخلات والاستثمارات الاجنبية.

ويخشى هؤلاء، حتى وهم يعدون انفسهم ليتحملوا مسؤولية البلاد في المستقبل، من خسارة القناعات التي رسخها في انفسهم الوجود الاجنبي في افغانستان.

ويعبر كثيرون عن قلقهم وخوفهم من التطورات الجارية والتي يرونها خارج سيطرتهم، كالمفاوضات الجارية مع حركة طالبان والخشية من تستحيل افغانستان الى بيدق في لعبة القوى الاقليمية.

كما يثير خشيتهم التصعيد الامني الذي شهدته الاشهر الاخيرة.

مخاوف مبالغ بها؟

ويفكر الكثير من الافغان الآن بترك البلاد والهجرة الى الخارج.

قال أحمد والي، وهو احد خريجي جامعة كابول، وهو يريني جواز سفره، "دفعت 15 الف دولار لأحدهم لكي يهربني الى المانيا، فأنا لا اريد ان اصبح ضحية 2014 والحرب الاهلية الآتية."

وبلغ الشعور العام التشاؤم حدا جعل الرئيس حامد كرزاي يتدخل شخصيا، إذ طلب من الناس ان يتمالكوا اعصابهم مؤكدا لهم ان 2014 سيكون كغيره من الاعوام.

وكان الرئيس الافغاني قد القى باللائمة في العام الماضي على الاعلام الافغاني والاجنبي لترويجه "دعايات" حول ما قد يحصل في 2014 واصفا هذا المنحى بأنه "تكتيك مصمم لاخافتنا وترويعنا."

ويتفق العديد من المحللين الافغان مع ما ذهب اليه كرزاي، مؤكدين ان المخاوف مبالغ بها.

ويقول داود مراديان، المحلل في المعهد الافغاني للدراسات الاستراتيجية "إن المفتاح لاستقرار افغانستان الدائم في ايدي الشعب الافغاني."

ويرى مراديان أن الانتخابات الرئاسية المقبلة هي البوابة الى ذلك الاستقرار المنشود.

وقال "ان الانتخابات هي اهم مسألة ستقرر مصير عملية السلام والتحول الامني والمسار السياسي للبلاد. فاذا وفقنا في اجراء الانتخابات بشكل صحيح، ستعتبر نقطة تحول بالنسبة للبلاد، ولكن اذا اسأنا ادارتها سندخل في دوامة خطرة لا تحمد عقباها."

سألت العمل في المجال الخيري ميروايس رحماني - الذي يقضي جل وقته محاولا احداث تغيير للافضل في حياة الناس - عن النصيحة التي يود ان يسديها لصديقي العاشق الذي قرر تأجيل زواجه، فقال "إن اللغط المحيط بـ 2014 لا يعدو كونه خرافة سيتغلب عليها الناس في نهاية المطاف. قل لصديقك ان يتزوج الآن والا يضيع سنة كاملة في الانتظار."