العمالة القسرية بين الأطفال تسجل أعلى معدلاتها في فيتنام

فيتنام
Image caption ظاهرة العمل القسري للأطفال جديدة في فيتنام

شهد العام الماضي واقعة قفز ثلاثة أطفال من نافذة بالطابق الثالث في مدينة هو شي مين في فيتنام وظلوا يركضون بأسرع ما أتتهم القدرة حتى عثروا على من يساعدهم في صباح أحد الأيام ولم تكن لديهم معرفة إلى أين يذهبون.

ويتذكر هيو، البالغ من العمر 18 عاما، الواقعة ويقول "كنت خائفا من أن يلحق بي أحدهم."

لم يرغب هيو في الإفصاح عن اسمه الحقيقي، وهو ينتمي إلى أقلية كومو العرقية، وتربى في قرية صغيرة في دين بين وهي منطقة جبلية تقع في شمال غربي فيتنام وأحد أفقر الأقاليم في البلاد على الحدود مع الصين.

كان هيو، في سن السادسة عشرة من عمره، ويعمل في صناعة القرميد في قريته عندما اقتربت منه في أحد الأيام سيدة وعرضت عليه تقديم فرصة تدريب مهني.

وقال "كان والداي سعداء لأني سأذهب وأحصل على بعض النقود."

وفي أحد الأيام جاءت حافلة ونقلته هو و11 طفلا آخر من قريته في رحلة بلغ طولها 2100 كلم للعمل في مدينة هو شي مين بجنوب فيتنام.

وقضوا جميعا العامين التالين مكدسين في غرفة ضيقة يصنعون الملابس لحساب مصنع ملابس صغير دون أن يتقاضوا أجرا.

وقال "كنا نبدأ العمل في الساعة السادسة صباحا حتى حلول منتصف الليل. وإذا ارتكب أحدنا خطأ أثناء صناعة الملابس كان الضرب بالعصا هو العقاب."

البغاء والتسول ومصانع الملابس

كان هيو من بين أكثر من 230 طفلا من ضحايا الإتجار في الأطفال الذين أنقذتهم مؤسسة (التنين الأزرق) الخيرية للأطفال ومقرها فيتنام منذ عام 2005.

وتساعد المؤسسة الخيرية الأطفال الذين يجبرون على مزاولة أعمال مختلفة من البغاء إلى التسول، وفي العام الماضي استطاعت المؤسسة إنقاذ ما يزيد على ربع عدد الأطفال من مصانع الملابس في مدينة هو شي مين، أكبر مركز صناعي في البلاد.

وقال فان تا نجوك، محامي لدى الجمعية "داهمنا العام الماضي مصنعا، كان هناك 14 شخصا يعملون وينامون ويأكلون في غرفة صغيرة مع الالات. وكان صاحب المصنع يسمح لهم فقط بالانصراف للذهاب إلى الحمام لمدة ثمانية دقائق في اليوم، بما في ذلك غسل الأسنان والذهاب إلى المرحاض."

كان أصغر هؤلاء في سن الحادية عشرة، ومعظمهم ممن ينتمون إلى أقليات عرقية.

وقال مايكل بروسوفيسكي، مؤسس مشارك للجمعية "انهم يأتون بالأطفال من وسط وشمال فيتنام لأنهم يظنون أن هؤلاء الأطفال أنهم لن يهربوا."

وأضاف "إذا أحضروا أطفالا من مناطق قريبة، فهؤلاء الأطفال يمكنهم الذهاب إلى منازلهم."

ويعتقد بروسوفيسكي أن التجار يقصدون المناطق النائية مثل أقليم دين بين لأن المجتمعات هناك لا تعي مخاطر الاتجار في البشر.

وتدعي العصابات أمام المسؤولين المحليين بأنها توفر فرص عمل أو تدريبا مهنيا للأسر الأشد فقرا، حيث يسعد الكثيرون بإرسال أطفالهم.

ووجدت مؤسسة (التنين الأزرق) أن عشرات الأطفال فقدوا أثناء زيارة بعض القرى.

ويدرك الأباء والمسؤولون فقط المشكلة التي هم بصددها عندما تظهر لهم المؤسسة صور مصانع الملابس التي داهموها في الماضي.

وقال "عندما يدركون أن الأطفال حاليا بمثابة عبيد يعملون في مهن شاقة، حينئذ يرغبون في استرجاعهم."

ويعتقد بروسوفيسكي أن المشكلة تتفاقم سوءا لأنها تدرأرباحا نوعا ما كما أن أخرين يزاولون الاتجار، يرغبون "في الحصول على قطعة من الكعكة."

كما يتلاءم الوضع مع العديد من فقراء المناطق الريفية الذي يسعون للحصول على عمل في المدينة، ولا يعتقد بروسوفيسكي أن الملابس تنتج بغرض التصدير، ولا يمكن تأكيد ذلك.

الاف الاطفال والبالغين

لطالما تصدرت قضية الاتجار الخارجي جدول أعمال الحكومة الفيتنامية، وثمة إشادة بزيادة عدد القضايا التي تنظرها فيتنام بما في ذلك أنشطة العصابات في الخارج.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نحو 7000 شخص، من بينهم 80 في المئة من النساء والأطفال، يخضعون لعمليات الاتجار داخليا وخارجيا منذ عام 2005.

ويقول خبراء مستقلون إن العدد قابل للزيادة على الأرجح، حيث يتم إحضار الأطفال من شتى أرجاء البلد للعمل في بيوت الدعارة في الصين ومنطقة جنوب شرق آسيا وأوروبا.

وأدت السياسية التي تتبعها الصين والتي يطلق عليها سياسة الطفل الواحد إلى زيادة الطلب على المواليد الذكور، الأمر الذي يدفع بعض الأمهات الفيتناميات إلى بيع أطفالهن، غير أن هناك حالات أيضا تباع فيها فتيات فتناميات إلى رجال صينيين للإنجاب منهن.

كما يجري الاتجار بالشباب والصبية في بريطانيا للعمل في مزارع القنب.

وقال أحد الخبراء الذين يعملون في المجال رافضا الإفصاح عن اسمه "لابد أن يكون هناك في أي وقت عشرات الالاف من الاطفال والبالغين للتجار بهم (في فيتنام)."

إلتباس قانوني

قال فلوريان فورستير، رئيس المكتب الدولي للهجرة في فيتنام إن المشكلة تتفاقم حينما يتعلق الأمر بالوضعية القانونية للضحايا.

وأضاف "الإتجار عبر الحدود الدولية معروف منذ فترة طويلة، غير أن الإتجار داخليا لم يعرف إلا منذ عام 2011. وسوف يستغرق الأمر وقتا حتى تتمكن الحكومة من تطبيق هذه الأشياء ونشر الرسالة."

يذكر أن القانون جرى تطبيقه في يناير/كانون الثاني العام الماضي، غير أنه لا يوجد حتى الأن توجيهات بشأن استخدامه.

وقال فورستر إن التفاصيل "تخضع للدراسة".

وفرضت غرامة على صاحب المصنع الذي سجن هيو 500 دولار كما أغلقت السلطات مصنعه، لكنه لم يمثل أمام المحكمة.

وفي الوقت الذي تعكف فيه الحكومة على إتخاذ قرار بشأن كيفية معاقبة الإتجار داخليا، تثار مناقشات بشأن شدة المشكلة. وهي ترجع في جزء منها إلى كون بعض الاطفال يتقاضون أجورا.

وقال بروسوفيسكي "رصدنا حالات أطفال يتقاضون فيها أجورا، وتصل المبالغ من 50 إلى 100 دولار سنويا، مع الأخذ في الاعتبار أن الأطفال يعملون 18 ساعة يوميا، لمدة سبعة أيام في الأسبوع، وهذا أجر سخيف."

وأضاف "ما من شك أن الفتاة التي ترسل للعمل في بيوت الدعارة في الصين تعاني بشدة."

فالأمر بالنسبة لهيو على الأقل يبرز في تذكر مشاقة العمل في الماضي، لكنه قرر عدم العودة إلى دين بين، كما أن مؤسسة (التنين الأزرق) تساعد في تدريبه للعمل في مجال الميكانيكا في هانوي.

وقال "أتمنى أن تتحسن أحوالي وأتمكن من مساعدة أسرتي."