لماذا يثير استخدام السلاح الكيميائي كل هذا الغضب؟

Image caption اسفر استخدام الكيمياوي في غوطة دمشق عن مقتل المئات

منذ ثلاثة اسابيع تقريبا، استيقظ العالم بهلع على نبأ الهجوم الكيميائي الواسع الذي شن على احياء سكنية في غوطة دمشق.

ويتساءل بعضهم عن سبب اعتبار الغرب استخدام السلاح الكيميائي في سوريا تصرفا ممجوجا ومثيرا للاشمئزاز رغم ان البلاد ما زالت تشهد حربا ضروسا راح ضحيتها عشرات الآلاف في ظروف بربرية.

فحتى قبل يوم الاربعاء الحادي والعشرين من اغسطس / آب كانت سوريا قد شهدت قائمة طويلة من الفظائع شملت القصف المدفعي العشوائي لمناطق سكنية وتفجيرات انتحارية وقطع رؤوس والتعذيب الفظيع واستخدام قنابل النابالم الحارقة ضد المدارس وملاعب الاطفال.

فلماذا كل هذا اللغط حول الكيميائي؟

ارث الحرب الاولى

يقول توماس ناش، وهو مراقب تسلح يعمل مع هيئة مقرها بريطانيا تدعى (المادة 36) تقول إن هدفها منع الضرر غير المقبول المتأتي عن استخدام انواع معينة من الاسلحة، إن "استخدام الاسلحة الكيميائية غير مقبول، ولكنه من غير المقبول ايضا، وبنفس الدرجة، قصف المناطق الآهلة بالسكان بالمدفعية والعتاد الثقيل."

Image caption استخدم اليابانيون السلاح الكيمياوي عند غزوهم الصين في الثلاثينيات

ويقول ناش "أظن ان علينا ان نتذكر ان كل القواعد والقوانين التي وضعت للتحكم باستخدام الانواع المختلفة من الاسلحة هي مجرد وسائل لغايات معينة. فهي وسائل لمنع وتخفيف المعاناة الانسانية كالتي نراها في سوريا. وهذه القوانين تسري على القنابل العنقودية والحارقة واستخدام المتفجرات في المناطق المأهولة اضافة الى الاسلحة الكيميائية بطبيعة الحال."

ولكن الاسلحة الكيميائية لها خصوصية، قد يكون مردها انها لا ترى بالعين ولا يمكن الهرب منها، وانها تسبب موتا مؤلما جدا.

وكان من المفروض ان يتعلم العالم من الفظائع التي تسببت بها الاسلحة الكيميائية في الحرب العالمية الاولى ويقرر الا يستخدم هذا النوع من الاسلحة في المستقبل ابدا.

ولكن لم تكد ان تمر بضع سنوات على مجازر الحرب الاولى قبل ان تستأنف بريطانيا استخدام الاسلحة الكيميائية ضد الاكراد العراقيين وفي افغانستان ايضا، وذلك قبل حظرها نهائيا في بروتوكول جنيف لعام 1925.

ويقال إن رئيس الوزراء البريطاني ابان فترة الحرب العالمية الثاني وينستون تشرتشل كان من دعاة استخدام هذا السلاح (تشرتشل كان يشغل منصب وزير المستعمرات في 1920 عندما استخدم البريطانيون الاسلحة الكيميائية ضد الاكراد)، كما سرت مخاوف من ان يعمد هتلر الى استخدامها ضد بريطانيا. ولكنه لم يفعل، وافلتت بريطانيا من مخاطر هذا السلاح - الا ان عدة بلدان لم تكن محظوظة كبريطانيا.

فقد استخدمت اليابان الغازات السامة ضد الصين في الثلاثينيات، كما استخدمها الفاشي الايطالي موسليني في اثيوبيا اواخر الثلاثينيات واستخدمها الجيش المصري في حربه ضد القبائل اليمنية في الستينيات.

معجزة

Image caption قتل 5000 في حلبجة

ولكن هذا كله لا يمكن ان يقارن بما حصل في بلدة حلبجة الكردية العراقية القريبة للحدود مع ايران. ففي مارس / آذار 1988، وبعد اجتياح القوات الايرانية للبلدة في الاسابيع الاخيرة من الحرب العراقية الايرانية التي امتدت ثماني سنوات، قصفت القوات العراقية حلبجة يالسلاح الكيميائي مما اسفر عن مقتل نحو 5000 من سكانها على الفور.

كان كامران حيدر يبلغ الحادية عشرة من عمره وقتها، ويقول إنه وباقي افراد اسرته هرعوا الى الملاجئ عندما بدأ القصف.

وقال لي كامران إن القصف بدأ بالقنابل التقليدية، ولكن بعدها بدأ واسرته بشم رائحة غريبة تشبه رائحة الفواكه والثوم. عندها عرفوا ما كان يحصل.

وقال "عندما شممنا هذه الرائحة، عرف امي وابي انها رائحة سلاح كيمياوي. بدأا بالصراخ والعويل. كان الوضع مروعا، خصوصا وان السلاح الكيميائي يختلف كليا عن باقي انواع الاسلحة. فمع الاسلحة التقليدية يمكنك الاختباء في ملاجئ او في كهف، ولكنك لا تستطيع ان تهرب من الكيميائي."

ومضى للقول "عندما ادركت والدتي ان السلاح كان كيميائيا، اسرعت الى المطبخ وعادت ببعض المناشف ودلو ماء، وقالت: ضعوا هذه على وجوهكم كيلا تحترقوا لأن الحروق الكيميائية تفقد البصر."

ثم هرعت والدة كامران الى خارج الدار بحثا عن احد اولادها الذي ركض الى الخارج.

وفعلا وجدت الصبي ميتا، ولكن بعد عودتها الى الملجأ ماتت هي الاخرى من تأثير الغاز السام. وفقد كامران في ذلك اليوم والده ووالدته واخته الوحيدة واخويه واحد ابناء عمومته.

ويقول "كانت معجزة اني بقيت على قيد الحياة، فمن 35 شخصا كانا في ذلك الملجأ، لم ينج الا انا وصديقي هوشيار."

واضاف "ولكن بسبب اضطراري للبقاء في الملجأ مع الجثث لثلاثة ايام بدون ماء او طعام تسممت بالمواد الكيميائية. فقدت بصري واحترق جلدي وكنت افقد الوعي."

ان السبب الذي يدفع المجتمع الدولي لاتخاذ الاجراءات الكفيلة بمنع استخدام الاسلحة الكيميائية اذن هو تجنب حلبجة ثانية.

ويعبر العقيد هامش دي بريتون غوردون، وهو مفتش سابق عن الاسلحة الكيميائية، عن خشيته من ان ما حصل في غوطة دمشق الشهر الماضي قد يصبح سابقة لحوادث أسوأ في المستقبل.

ويقول "اعتقد ان ما يدفعنا للتصرف بسرعة هو الخشية مما قد يخفي لنا المستقبل. ففي هجوم الشهر الماضي استخدمت كميات من غاز الاعصاب سارين تراوحت بين 100 و200 لتر. الا اننا نقدر ان نظام الرئيس الاسد يمتلك بين 400 و1000 طن من السارين، بامكانها ان تفتك بعشرات بل بمئات الآلاف اذا استخدمت. علينا اذن التحوط لما قد يخفيه لنا المستقبل."