كارثة لامبيدوسا: لماذا يهرب الرجال من إريتريا؟

Image caption سامسون وصف رحلة الهجرة من اريتريا إلى سويسرا بأنها صعبة

قالت مجموعات حقوقية إن مأساة غرق الزورق الأخيرة غير المسبوقة التي شهدها البحر الأبيض المتوسط تسلط الضوء على الأوضاع التي تدفع الناس إلى خوض تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر على متن أحد القوارب نحو أوروبا.

ويعتقد أن أغلب من قضوا نحبهم في تلك الحادثة هم من الصومال وإريتريا، لذا فمن المؤكد أن كل هؤلاء لم يخوضوا تلك الرحلة الخطيرة فحسب، بل خاضوا رحلة طويلة وخطيرة أيضا في رمال الصحراء الكبرى.

وقال سامسون كيدان، وهو إريتري لاجئ في الوقت الحالي إلى سويسرا: "لا زلت لا أستطيع تصديق ما واجهناه في الصحراء الكبرى. لقد كان العبور من خلالها أمرا صعبا، فقد كنا أكثر من ثلاثين شخصا داخل سيارة صغيرة، ثم نقلنا فيما بعد داخل حاوية وكنا نزيد عن 120 شخص وبقينا داخلها لأربع وعشرين ساعة."

رحلة لجوء

وكان كيدان كغيره من الشباب الإريتريين قد فر من بلاده هاربا من التجنيد الإجباري، وهو نظام يلزم كل المواطنين بأداء الخدمة في الجيش لفترة غير محددة المدة.

وأدانت جماعات حقوق الإنسان ذلك، وشبّهته بأنه أقرب ما يكون من الاستعباد، مشيرة إلى أن غياب حرية الصحافة والتعبير، وعمليات الاعتقال غير المبرر والتعذيب التي تجرى على أوسع نطاق تعني أن الطريق الوحيدة لتجنب ذلك التجنيد هو الهروب من البلاد.

Image caption كارثة غرق القارب أمام سواحل لامبيدوسا أخيرا وصفت بأنها غير مسبوقة

وحتى شهر يونيو/حزيران من العام الجاري، كانت سويسرا تعتبر تجنب أداء الخدمة العسكرية في إريتريا سببا وجيها للإريتريين ممن يطالبون بحق اللجوء إليها، وأصبحت تضم حاليا واحدة من أكبر الجاليات للاجئين الإريتريين في أوروبا.

إلا أن سويسرا كما هو الحال مع غيرها من الدول الأوروبية الأخرى، لم تعد تقبل أي طلبات تُقدَّم إلى سفاراتها في الخارج للجوء، وهو ما يعني أن أي أحد يرغب في ذلك عليه أن يصل بنفسه، بطريقة ما، إلى سويسرا.

وترى مجموعات حقوق الإنسان أن سياسات أوروبا في اللجوء تعتبر عاملا مشاركا في المآسي المتكررة للزوارق التي تغرق في البحر الأبيض المتوسط.

وقالت دانييلا إنزلر، مستشارة اللجوء التابعة لمنظمة العفو الدولية والمؤسسة الخيرية السويسرية كاريتاس، إنها غير متفاجئة من هذه المأساة التي وقعت هذا الأسبوع.

وأضافت إنزلر: "يشهد البحر الأبيض المتوسط غرق زورق فيه بشكل أسبوعي تقريبا، فمن المأساة ألا يكون بمقدور الناس تقديم طلبات اللجوء في السفارات. فإذا ما كان بإمكانهم ذلك، لن يكون عليهم أن يخاطروا بخوض تلك الرحلة، ويمكن حينها أن يجري الحفاظ على الكثير من الأرواح."

نهاية الرحلة

عندما منح كيدان في النهاية حق اللجوء من الحكومة السويسرية، كانت تلك هي النهاية لرحلة كان يمكن أن يدفع وبسهولة حياته ثمنا لها.

وبعد رحلة عبوره للصحراء الكبرى، والتي بلغت تكلفتها للشخص الواحد ما يزيد على ألف دولا أمريكي، كان على كيدان ورفاقه أن يجدوا "رجل أعمال" يمكّنهم من عبور البحر الأبيض المتوسط.

وقال كيدان: "وعندما تدفع المال لتكلفة تلك الرحلة، قد يأخذ بعض رجال الأعمال أولئك المال ويختفون."

وفي النهاية، طلب مهربهم من كل واحد منهم أن يدفع ألفا ومئتي دولار إضافية، وعمل على تحضير خمسة زوارق صغيرة يحمل كل منها ما يقرب من 30 فردا.

وبعد 53 ساعة في عرض البحر، وصل زورقان فقط إلى السواحل الإيطالية، وكان كيدان على متن أحدهما، فيما غرقت الزوارق الثلاثة الأخرى وكان أحدها يحمل أعز أصدقائه.

وقد عبرت مجموعات حقوق الإنسان كمنظمة العفو الدولية ومنظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن مخاوفها من أن تكون سلطات خفر السواحل الوطنية وهيئة أمن الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي (فرونتيكس) مهتمة أكثر برد المهاجرين وطالبي حق اللجوء بدلا من إنقاذ هؤلاء من أوضاعهم المزرية.

وقالت إنزلر: "أخبرني تقريبا كل من يطلبون حق اللجوء ممن عبروا البحر الأبيض المتوسط بأنهم رأوا بعض الزوارق تمر من جانبهم، بل وكانت طائرات مروحية تمر من فوق رؤوسهم، وكانوا يتجاهلون تماما صيحاتهم ونداءاتهم."

Image caption شكوى من اهتمام خفر السواحل الأوروبية برد المهاجرين بدلا من إنقاذهم

وعزز تلك الرواية أيضا ما رواه بيمنيت آرون، الذي تحدث عن تجربة هروبه من إريتريا وهو في السابعة عشرة من عمره، حيث مر برحلة مرهقة عبر الصحراء الكبرى ليعمل في ليبيا لثلاثة أشهر حتى يكسب المال الذي أنفقه على رحلة عبور البحر المتوسط.

وفي نهاية المطاف، حصل على مكان على متن أحد القوارب إلى جانب ما يقرب من 80 شخصا.

ويسترجع آرون ذكرياته حول القارب قائلا: "كان القارب محملا بوزن أكبر من طاقته، وبعد ثلاثة أيام نفد الوقود منه."

ومع مرور الوقت، بدأ الغذاء والماء ينفدان أيضا. وتابع آرون: "بدأ بعضنا يشرب من بوله. إلا أن البعض الآخر لم يتحمل القيام بذلك."

وبدأ الناس يموتون شيئا فشيئا.

وأضاف آرون: "رأينا بعض القوارب تمر إلى جانبنا وكان أحدها قريبا جدا منا، وقفزنا جميعا ولوحنا له صارخين حتى نلفت انتباهه، إلا أنه مرّ دون أي رد."

وجلس آرون ورفاقه داخل ذلك الزورق تجرفهم أمواج البحر لأيام. وعند إنقاذهم في النهاية، كان عددهم قد انخفض إلى خمسة أفراد فقط، بينما توفي منهم 75 فردا نتيجة العطش والجوع والتعرض للمخاطر المختلفة.

ومع أنه يبلغ من العمر 21 عاما، ويعيش لاجئا في سويسرا، إلا أن تجربته المؤلمة لا تزال تؤثر على قدرته لأن يعيش حياة طبيعية.

قضية انتخابات

وقال أنطونيو غوتيريس، رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة، إنه يأمل أن تكون هذه المأساة الأخيرة التي حدثت في البحر المتوسط بمثابة "نداء تحذيري".

وأضاف غوتيريس: "هناك أمر غير صحيح يحدث في العالم، مما يدفع الناس ممن هم في حاجة للحماية إلى اللجوء لمثل تلك الرحلات المحفوفة بالمخاطر."

ويرى فولكر تورك، مسؤول قسم الحماية الدولية في المفوضية، إنه يرى أنه يجب على أوروبا أن تتفاعل الآن وتصل إلى حلول لمنع وقوع أية وفيات في المستقبل.

إلا أنه ومع الارتفاع الذي تشهده العديد من الدول في معدلات البطالة، إلى جانب استطلاعات الرأي التي ترى أن الهجرة واللجوء تقلق الناخبين، من المستبعد أن تخفف أوروبا من سياساتها تلك.

كما أنه ومع الصراعات والفقر والقمع الذي يجتاح بعض المناطق في إفريقيا والشرق الأوسط، سيعمد كثيرون مثل كيدان وآرون لأن يعرّضوا حياتهم للخطر آملين في الحصول على مستقبل أفضل.

المزيد حول هذه القصة