هل "يستشهد" مئة ألف مسيحي في العالم سنويا؟

Image caption اعتبر الفاتيكان أن رقم المئة ألف يتمتع بمصداقية

غالبا ما تثار مزاعم بمقتل 100 ألف مسيحي سنويا على مستوى العالم لأسباب تتعلق بانتمائهم الديني. وفي وقت سابق من العام الجاري، اعتبر الفاتيكان أن هذا الرقم يتمتع بالمصداقية. لكن هل الأمر كذلك بالفعل؟

شهدت العاصمة المصرية القاهرة مقتل ثلاثة أشخاص على يد مسلحين يركبون دراجة نارية، عندما فتحوا النيران عليهم أثناء خروجهم من حفل في كنيسة مسيحية قبطية. كما شهدت باكستان تفجيرين انتحاريين خارج كنيسة أسفرا عن مقتل نحو 75 شخصا.

وقعت هذه الهجمات الأخيرة والتي تصدرت العناوين الرئيسية للأنباء خلال شهر واحد، وكانت هذه هجمات بشعة لكنها لم تكن حوادث منفصلة.

ويبرز تساؤل هو إلى أي مدى ينتشر العنف المناهض للمسيحيين؟

في خطاب موجه عبر الإذاعة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مايو/ ايار الماضي، قال الأسقف سيلفانو ماريا توماسي، المتحدث باسم الفاتيكان "توصل بحث ذو مصداقية إلى نتيجة صادمة مفادها أن أكثر من 100 ألف مسيحي يقتلون بسبب شيء من العلاقة بدينهم."

وهناك احصاءات منشورة في عدة مواقع على الانترنت فقط، تضيف أحيانا تفصيلة أخرى هي أن هؤلاء القتلى المئة ألف قتلهم مسلمون.

حقيقة أم مبالغة

Image caption إلى أي مدى ينتشر العنف المناهض للمسيحيين؟

ويرجع أصل هذا الرقم إلى مركز دراسة المسيحية العالمية في معهد غوردون كونويل للدراسات الدينية بولاية ماساتشوستس الأمريكية، الذي ينشر مثل هذه الأرقام سنويا.

وبدأ باحثو المركز بتقدير عدد المسيحيين الذين "استشهدوا" في الفترة بين عامي 2000 و2010 - وهو مليون شخص وفقا لحساباتهم - ثم قسموا الرقم على 10 (وهي عدد السنوات الفاصلة) فكانت النتيجة مقتل 100 ألف شخص سنويا.

لكن كيف وصل الباحثون إلى رقم المليون قتيل هذا؟

عندما تتعقب مسار البحث والتوصل إلى هذا الرقم تجد أن معظم القتلى سقطوا في الحرب الأهلية في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وتشير تقديرات إلى أن أكثر من أربعة ملايين شخص قتلوا في تلك الحرب بين عامي 2000 و 2010. ويعتبر مركز دراسة المسيحية العالمية أن 900 ألف منهم "شهداء".

وعلى مدار عشر سنوات يقدر متوسط الرقم السنوي بتسعين ألف قتيل.

لذا فعندما تسمع أن 100 ألف مسيحي يموتون بسبب دينهم، يتعين أن يكون في ذهنك أن معظم هذا الرقم، وهو 90 ألف شخص، قتلوا في الكونغو الديمقراطية.

وهذا يعني بل يدفعنا إلى التصريح بأن الشائعات التي تروج على الإنترنت بأن المسلمين هم قتلة "الشهداء" المسيحيين المئة ألف هي هراء. فالكونغو الديمقراطية بلد مسيحي. وفي تلك الحرب الأهلية كان المسيحيون يقتلون المسيحيين.

دور الإبادة الجماعية

Image caption عندما تتعقب مسار التوصل إلى هذا الرقم تجد أن معظم القتلى سقطوا في الحرب الأهلية في جمهورية الكونغو الديمقراطية

وفي تقديرات سابقة لأعداد "الشهداء"، أدرج المركز عمليات قتل وقعت خلال الإبادة الجماعية في رواندا. وكان ذلك أمرا محيرا من جديد. فالصراع الدائر لم يكن بشأن الدين، بل هي حالة قتلت فيها قبائل الهوتو آخرين من قبائل التوتسي، وكلا الجانبين مسيحيون.

وقال إيان ليندن، مؤلف كتاب (الكنيسة والثورة في رواندا) والأستاذ المساعد في دراسة الأديان بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، إن "الإبادة الجماعية في رواندا كانت على أساس قتل ممنهج لجماعة عرقية في محاولة للقضاء عليها كليا ولم يكن لها أي صلة بالمعتقدات أو الإيمان او بالأشخاص الذين قتلوا."

وأضاف "كانت الحروب الأهلية في الكونغو الديمقراطية نتاج حالة من الفشل، وتفكيك القوة العسكرية، لذا أصبح لدى الميليشيات قوة كاملة بسبب الأسلحة التي بحوزتها. فكانوا يقتلون دون تمييز ويغتصبون النساء ويمارسون أعمال السلب والنهب ومن الصعب وصف ذلك بأنه استشهاد."

لكن جون آلان المراسل بالفاتيكان ومؤلف كتاب (الحرب العالمية على المسيحين) يوضح كيف يمكن اعتبار من قتل في الحرب الأهلية شهيدا.

"إن حدث وكانت هناك مبشرة بالمسيحية في الكونغو نجحت في إقناع الشباب في منطقتها بعدم الانضمام إلى الميليشيات، وحدث أنها قتلت على يد أحد أفراد القوات ممن لا يرغبون في نضوب منابع التجنيد. هل يعتبر ذلك عنفا مناهضا للمسيحية؟"

وشدد إيان ليندن أيضا على مسألة أن أفرادا من قبائل الهوتو في رواندا لم يتخلوا عن زملائهم من قبائل التوتسي بدافع من العقيدة المسيحية، ولهذا السبب قتلوا ويمكن أن يطلق عليهم شهداء.

دعونا نتفق أن بعض الناس قتلوا بسبب عقيدتهم المسيحية في الكونغو الديمقراطية. فهل من المعقول أن تكون النسبة 20 بالمئة؟

أوضاع مختلفة

قال تود جونسون، مدير مركز الدراسات المسيحية العالمية، لبي بي سي إن هذا الرقم منقول عن الموسوعة المسيحية العالمية - إصدار عام 1982، التي قدرت أن نحو 20 بالمئة من الشعوب الأفريقية مسيحيون يمارسون شعائر دينهم.

ويقول جونسون إن مركزه استبعد هذه الاحصاءات في عمله الأخير، وعلى الرغم من ذلك ظل رقم 100 ألف موجودا في تقرير حالة التبشير العالمية 2013.

وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى، ففي الوقت الذي تستمر أعمال العنف في الكونغو الديمقراطية، أصبح الصراع أقل شدة اليوم مقارنة بما كان في ذروته.

ويسلم جونسون بذلك قائلا "هذا هو الضعف الكامن في هذا المنهج".

Image caption لم يكن الصراع الدائر في رواندا بشأن الدين، بل هي حالة قتل فيها قبائل الهوتو آخرين من قبائل التوتسي، وكلا الجانبين من المسيحيين

ويضيف "حتى في الكونغو الديمقراطية لم يعد الوضع بنفس الشدة مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات. فكل عام يشهد تراجعا، غير أن هذه الطريقة ليست دقيقة بما يكفي (لإصدار الأحكام)، لذا أبقيت على رقم 100 ألف خلال العامين الماضيين لكن من المحتمل أن أخفض الرقم ما لم يستجد ما يثير اهتمامنا."

لو طرحت عدد القتلى في الكونغو الديمقراطية - الذي يبلغ 90 ألفا - من رقم 100 ألف الصادر من مركز المسيحية العالمية يتبقى لك 10 آلاف شهيد سنويا.

ومن الأكثر ترجيحا أن يكون هذا الرقم هو عدد المسيحيين الذين يقتلون سنويا لكونهم مسيحيين، حسبما يقول توماس شيرماتشر، من الجمعية الدولية لحقوق الإنسان.

ويضيف شيرماتشر "ينبغي للمرء أن يرى أنه لا يوجد رقم علمي حاليا. لم يجر بحث الأمر وكافة الخبراء في هذا الشأن مترددون في التصريح برقم."

ومضى قائلا "نحن في بداية مشروع بحثي بالتعاون مع عدد من الجامعات على مستوى العالم بشأن هذا الموضوع، ونبدأ بافتراض أن سبعة إلى ثمانية الآف مسيحي يستشهدون سنويا."

"أعتقد أنه سيكون من الجيد الوصول إلى أرقام يعتمد عليها في هذه القضية، لكني لا أعتقد أنها ستكون مسألة مهمة في نهاية المطاف من حيث موضوع كتابي، وهو تحليل الروايات التي تميل إلى الهيمنة على النقاش في الغرب.. أن المسيحيين لا يمكن اضطهادهم لأنهم ينتمون إلى أقوى كنيسة في العالم."

ويقول الحقوقي إن "الحقيقة هي أن ثلثي عدد المسيحيين في العالم والبالغ عددهم 2.3 مليار مسيحي اليوم يعيشون في أحياء تتسم بالخطورة. فهم فقراء في العادة وينتمون إلى أقليات عرقية ولغوية وثقافية. ودوما ما يواجهون خطرا."

"أعتقد أن التركيز على هذه المسألة بلا شك أهم بكثير من التركيز على حصيلة القتلى."

المزيد حول هذه القصة