حداد على مانديلا في معقل تيري بلانش

Image caption أحد سكان فنترسدورب بجنوب أفريقيا يتحدث عن تأثره الشديد بوفاة نيلسون مانديلا

زار مراسل بي بي سي فيرغال كين مسقط رأس زعيم اليمين الأبيض المتشدد الراحل في جنوب أفريقيا يوجين تيري بلانش ليجد الناس ينعون نيسلون مانديلا.

وفي يوم لا يزال حارا في الصيف بجنوب أفريقيا، يمكن أن تبدو بلدة فنترسدورب مكانا معزولا.

ويتسول فقراء البلدة عند مداخل المحال التجارية، أو يتوسلون إلى الناس أملا في الحصول على بعض الراند، العملة المحلية، وهم يرشدون السيارات إلى أماكن الانتظار.

وبالنسبة لشخص عرف البلدة قديما أثناء هيمنة البيض، فإن الملفت للنظر هو أن المتسولين هم من السود والبيض أيضا.

وهم يتنافسون من أجل كسب شفقة المتسوقين.

وعلى بعد ساعتين غربي جوهانسبرغ أعلى مناطق الريف، كانت فنترسدورب يوما ما مقرا للمتطرفين البيض في جنوب أفريقيا.

Image caption قتل تريبلانش قبل ثلاث سنوات على يد أحد المزارعين.

وكان هنا مقر زعيم حركة مقاومة الأفريكانز المتطرفة "ايه دبليو بي" وزعيمها يوجين تيري بلانش.

كان الصحفيون يتوجهون باستمرار إلى هناك لسماع تيري بلانش وهو يهاجم بضراوة نيلسون مانديلا ويهدد "بسحق حزب المؤتمر الوطني الأفريقي تماما".

لقد كان هنا في ليلة التاسع من أغسطس/آب التي رأيت فيها اشتباكات مميتة بين حركة "ايه دبليو بي" والشرطة، وهي المرة الأولى في تاريخ التفرقة العنصرية التي فتحت فيها قوات أمن الدولة النار على متطرفين بيض.

وقتل ثلاثة من اليمين المتشدد وأحد المارة، وحوصرت عائلة سوداء، وهوجمت وروعت داخل حافلة صغيرة.

بعد ذلك، ترسخت فنترسدورب في ذاكرتي كمكان للخوف.

لكن اليوم دبت الانقسامات في حركة ايه دبليو بي وأصبحت غير مؤثرة، ويسيطر على مجلس بلدة فنترسدورب المؤتمر الوطني الأفريقي.

لقي يوجين تيري بلانش حتفه قتلا على يد مزارع منذ ثلاث سنوات.

لا يوجد مناخ للخوف

لم يعد السود في جنوب أفريقيا يسيرون في الشوارع كمواطنين خانعين.

Image caption الكنيسة الإصلاحية الهولندية في فنترستورب بجنوب أفريقيا تنعي نيلسون مانديلا

يرى أحد سكان البلدة من السود، ويدعى نيك بيرغمان، أن القضاء على مناخ الخوف هو أعظم إرث تركه الزعيم الراحل نيلسون مانديلا.

ومثل باقي سكان البلدة السود الذين التقيت بهم، يشعر بيرغمان بالحزن لرحيل زعيم الحزب الوطني الأفريقي "لقد قدم ماديبا (مانديلا) الكثير جدا، لا يمكنني حتى أن أعبر لك عن ذلك بالكلمات".

"الشيء الذي يمكنني أن أقوله لك هو أن وفاته تركت ألما في قلبي، أشعر بأن داخلي خواء بدونه".

لكن بالرغم من كل هذا التغيير خلال العشرين عاما الماضية، كانت فندرسدورب المكان الوحيد في جميع أنحاء جنوب أفريقيا الذي لا يمكنني أن أتخيل أن ينظم فيه الأفريكانز حدادا علنيا على وفاة مانديلا.

لقد كنت مخطئا، فقد شاهدت في الكنيسة الإصلاحية الهولندية في شارع كوتشرين الكبير والصغير الناس يقفون لتأبين مانديلا.

وخدم راعي الكنيسة غيريت سترايدوم كجندي كان يقوم بدوريات في بلدات السود خلال فترة أعمال العنف في سنوات الانتقال.

قدمت الكنيسة تبريرا دينيا للتفرقة العنصرية ضد السود وكان القساوسة في السابق يلقون كلمات تحقر من السود وتصفهم بأنهم من مرتبة متدنية.

ويرى سترايدوم أن مانديلا علم الأفريكانز البيض قيمة المصالحة.

"بعد مرور كل هذه السنوات وهو في السجن، كان يمكن أن ينقلب علينا ويجعل جنوب أفريقيا مكانا سيئا لشعبنا. لكن نيلسون مانديلا هو الشخص الذي وحد الناس".

قلق على المستقبل

لكن سيكون من الحماقة أن نتخيل أن فنترسدورب تطورت لتصبح مكانا ينعم بتناغم عرقي.

بالنظر إلى قرون من التاريخ الدموي وجروح الماضي القريب، فلا يزال هناك الكثير الذي يقسم السود والبيض في المنطقة.

في كثير من الجوانب، بالكاد تغير إيقاع الحياة في الريف.

وفي المزارع، لا يزال يسيطر البيض على أفضل الأراضي، ويعمل السود لديهم عمالا أو خدما.

ويتحدث المزارعون البيض بصورة مستمرة عن خوفهم من التعرض للهجوم، وهم على أرضهم.

وهناك قلق حتى في أوساط المزارعين البيض الذين يوقرون مانديلا، بشأن المستقبل وشعور متنام من الامتعاض بشأن ما يعتقد أنه تمييز ضد البيض.

ويقول ديريك اليم في مزرعته الواقعة خارج فنترسدورب التي تصل مساحتها إلى 295 هكتارا، إنه بقي في جنوب أفريقيا لأن مانديلا منحه الأمل في مستقبل البلاد.

لكنه الآن ليس لديه ثقة كبيرة في الجيل الجديد من الزعماء.

وقال "أعتقد أن ما أراده (مانديلا) هو أن تتاح الفرصة للجميع، وتتاح حياة جيدة وعادلة للجميع".

وأضاف "لا أعتقد أنه (مانديلا) أراد أن يقمع (أحدا)، هذا ما قاله، لا ينبغي أن تقهر أمة أمة أخرى، بغض النظر عن لونها".

وتابع "لذا ما أراه الآن هو تفرقة عنصرية في الاتجاه الآخر، حيث إن السود يقمعون البيض حاليا".

أكواخ واهية

هذه الحجة لا تجد أي تعاطف في منطقة "جويدغفوندن" التي يقطنها سكان سود وتقع بالقرب من مزرعة اليم.

Image caption يرى نيك بيرغمان أحد سكان البلدة أن القضاء على مناخ الخوف هو أعظم إرث تركه الزعيم الراحل نيلسون مانديلا.

وفي عام 1991، كانت هذه عبارة عن مجموعة من الأكواخ المهجورة التي هاجمها أعضاء في حركة المتطرفين البيض"ايه دبليو بي" الذين كانوا يعقدون العزم على طرد السكان السود، لكنهم فشلوا.

وبالرغم من ظهور منازل جديدة مبنية من الطوب وسط الأكواخ، فلا تزال هذه المنطقة تعاني من انتشار الفقر وعدم المساواة.

هنا يشتكي الناس ويحتجون علنا على أن الحكومة لا توفر الخدمات الأساسية للأغلبية السوداء.

وتعيش السيدة آنا جونسون العجوزة مع حفيديها في كوخ صغير مصنوع من الحديد المجعد.

وتقول "أشعر بالمرض، الشيء الأسوأ هو أنني أحتاج منزلا، وأصاب بالبلل من جراء الأمطار، حينما تمطر السماء تغمرنا المياه هنا".

وبعد أن انتقلت بعيدا عن فنترسدورب، فقد ترسخ لدى اقتناع بأن الشخصية الوحيدة هنا التي يبدو أنها تسمو فوق الانتقاد، بين السود والبيض، هي نيلسون مانديلا.

وكما تقول السيدة جونسون "ما أعطاه لنا كان يفوق التوقعات، كنا مكبلين وحررنا وكنا لا نبصر ففتح أعيننا".

المزيد حول هذه القصة