ماذا يعني إبعاد "سانغ" لاستقرار كوريا الشمالية؟

سانغ سونغ ثايك
Image caption جرى تجريده من جميع مناصبه السياسية والرسمية.

استبعدت كوريا الشمالية ثاني أقوى رجل في الحزب الحاكم بالبلاد، واتهمت وسائل الإعلام الرسمية سانغ سونغ ثايك، بـ"تحدي قيادة كيم جونغ أون، وتشكيل جبهة مضادة له في حزب العمال". وتم تجريد ثايك من جميع مناصبه الرسمية، وطره من الحزب. لكن مراسلة بي بي سي تسأل: ماذا يعني هذا الاستبعاد لاستقرار الآلة السياسية الغامضة في كوريا الشمالية؟

وتحول ثايك - بين عشية وضحاها - من مستشار زعيم كوريا الشمالية الصغير وعمه إلى أحد معارضي الثورة ومنبوذيها المجرمين، وتم تجريده من جميع مناصبه الرسمية، واستبعد اسمه كذلك من اللقطات الوثائقية المصورة، كما بثت وسائل الإعلام الرسمية مشاهد لطرده من اجتماع الحزب وقائمة طويلة من الاتهامات المزعومة فضلا عن أخطائه الشخصية.

وفاجأت تلك الاتهامات الكثيرين، بعدما سردتها وكالة الأنباء الرسمية لكوريا الشمالية وامتدت لصفحات طويلة.

وقال مسؤول في وزارة الوحدة، إحدى أجهزة حكومة كوريا الجنوبية، إنه "أمر فريد من نوعه، إذ لم نرَ مثل هذه النوع من الإعلان عن اتهامات تطال المسؤولين سابقًا. ويبدو أن هذا الشرح المطول من الاتهامات يهدف إلى إضفاء الشرعية على هذا القرار".

يوحنا المعمدان

ويأتي على رأس الاتهامات الموجهة لسانغ "تحدي قيادة الدولة، ومنح لنفسه التحكم في الاقتصاد وامتيازات قضائية وأمنية دون وجه حق، ومحاولته تشكيل جبهة مضادة في حزب العمال الحاكم".

ويعد إبعاد سانغ أكبر هزة تتعرض لها البلاد إثر رحيل الزعيم السابق لكوريا الشمالية كيم جونغ إيل منذ عامين. لكن التقارير السياسية التي ترد عن كوريا تكون عادة غير شفافة. لكن ماذا يعني الوضع الاستثنائي على أرض الواقع؟

ويرى محللون أن الأمر قد يكون دليلا على حالة من الضجر داخل النخبة الحاكمة، وحذر البروفيسور فيكتور تشا، من جامعة جورج تاون، من أن هناك غليانا داخل نظام الحكم في كوريا الشمالية أكبر بكثير مما تصوره وسائل الإعلام، حتى إن بدا الزعيم كيم هو من يسيطر على زمام الأمور في البلاد.

وأضاف أنه "إذا أردت التخلص من (الكبار)، فسيعني ذلك أن هناك أمورا مثيرة تحدث".

وذكر "موقع ديلي إن كيه" بكوريا الجنوبية، نقلا عن مصادر كورية شمالية، أن إبعاد سانغ يلقي الضوء على حالة الصدع في البلاد بشأن طرق دعم النمو الاقتصادي في البلاد، والذي ربما أطلقت شرارته عملية الإصلاح الاقتصادية الناجحة في جارتها الصين.

واستطرد الموقع الإخباري، عن مصادره التي لم يكشف عن هويتها، أن سانغ اندفع نحو سياسة انفتاح كاملة، تعتمد على الطريقة الصينية، وليس سياسة جزئية كما يرغبها كيم جونغ أون، وهو ما أدى إلى تصادم الطرفين، وانتهى الأمر بسقوط سانغ، فيما ذهب آخرون إلى أن هناك اختلافا سياسيا طفيفا وسط مستويات الحكومة العليا.

ويقول الدكتور بايك هاكسون، من معهد سيجونغ في سيول، إنه إذا كانت اختلافات النخبة في بيونغ يانغ حقيقية، فلن ينشرها النظام هناك بهذا الشكل العلني، ولن يتم حلها أيضا بهذه السرعة التي ظهرت في إبعاد سانغ، إذ تعد الخطوة أكبر من تجاوز الزعيم كيم جونغ أون معلمه ومستشاره".

وتابع: "فسانغ أنهى دوره كجسر بين الماضي والحاضر، إذ يستطيع المرء مقارنة سانغ بيوحنا المعمداني، الذي صوره العهد القديم في صورة من لعب دور الجسر في عهد السيد المسيح. لكن هذا الدور في قيادة الزعيم الصغير كيم كونج لبلاده كان له تداعيات عير متوقعة.

"فكلما جذب سانغ إليه الناس أصبح قويا"، ويضيف الدكتور بايك، أن "إبعاد شخصية بحجم سانغ في سياسة كوريا الشمالية كان يتطلب تفسيرا وافيا حول الأسباب التي أدت إلى عزله وطرده من الحزب الحاكم بهذا الشكل".

ويشير الدكتور جون ديلوري، من جامعة يونسي، أن هناك أمرا أخر مفاجئا، وهو اعتراف كوريا الشمالية بوجود أعضاء في الحزب ينتمون لعائلة زعيم البلاد ويتقلدون مناصب عليا في الحكومة، فاسدون وغير موالين لقادة البلاد.. فهذا المستوى من الاعتراف تجاه شخص كان منذ شهر واحد الرجل الثاني في النظام، يعد أمرا مذهلا، وكذللك تحذيرا لآخرين".

ويضيف أن خطوة إبعاد سانغ تعد آخر التحركات التي أعدت بعناية لإظهار الزعيم الصغير بمظهر المسيطر على زمام الحكم في البلاد، والمستقل عن جارته الكبرى الصين، وهو ما ظهر جليا عقب إبعاده قائد الجيش العام الماضي، بعدما عامله بازدراء فور توليه السلطة، وهو ما يستهدف الداخل والخارج معًا.

مغامرة

ويتابع ديلوري أن المذهل في الأمر هو سرعة كوريا الشمالية في تحكمها بتفاصيل القصة، حيث استطاعت توجيه الجماهير إلى ما تريده بشأن تطورات الأمر مع سانغ.

ويتابع: "يمكننا كذلك الربط بين تطور علاقات كوريا الشمالية بالعالم الخارجي، إذ أصبح لديهم حسابا على تويتر، وبدؤا في نشر ملفات الفيديو على يويتوب، وأصبحوا أكثر اندماجا في المحادثات الدولية، فعندما يكونون مركز هذه المحادثات فسيحصلون بطريقة استباقية على ما يريدون من تلك القصة".

ورغم ما تم نشره من تفاصيل رسمية عن استبعاد سانغ من السلطة، فليس من السهل التهرب من حقيقة ما يجرى بالفعل.

وأكد مسوؤل رسمي في وزارة الوحدة بكوريا الجنوبية أن "البيانات الرسمية التي نشرتها الجارة الشمالية ننظر إليها على أنها مقياس مهم عن مدى التغيير الحاصل، حيث يوجد كلمات مفتاحية مهمة في تلك البيانات التي نوليها أهمية خاصة. وكذلك لدينا قنواتنا الأخرى، سواء أكانت الرسمية أو غير الرسمية، التي نجمع المعلومات خلالها.

ويضيف جون ديلوري أن دراسة كوريا الشمالية تسيطر عليها المعاهد السياسية والمؤسسات الاستخباراتية ومراكز الفكر، وحتى المصادر الكورية الشمالية نفسها، سواء أكانت حكومية أو عبر منشقين، تميل إلى أن يكون لها أجنداتها الخاصة.

ولفت إلى أنه نتيجة للنقص الشديد في المعلومات الموثقة عن كوريا الشمالية، يميل الخبراء إلى الاعتماد على ما لديهم من معلومات، فيبدؤا بمطابقة الحقائق بما لديك من معلومات، وهو ما يصعب تركه بعد ذلك.

ويوافق هاكسون على أن السياق يعني كل شيء، فاتخاذ موقف -عبر كتابة عمود في جريدة- يعد مغامرة، إذ قد تُحسّن الصورة التي لديك أو تدمرها، لكن في النهاية عليك أن تستخدم تقييمك عندما تضارب التفسيرات.

ويضيف هاكسون أن الزعيم الصغير لم يكن على طبيعته، وبدا كشخص غير مناسب للمنصب، لكن بمرور الوقت، استمتع الزعيم الصغير بوضعه هذا. وأتذكر في إحدى المناسبات التي جاءت عقب توليه السلطة بأشهر معدودة، وكان سانغ ثايك إلى جواره، حيث التفت الزعيم الصغير إلى عمه فجأة، فتصلب سانغ في رده، تماما مثل رود فعل الجنود مع قياداتهم. إذ كان رد الفعل طبيعيا، لكني كنت مصدوما بعض الشيء.

المزيد حول هذه القصة