مراسلة بي بي سي بجنوب افريقيا تروي تجربتها في وداع مانديلا

مراسلة بي بي سي في جوهانسبرغ تتحدث عن حزنها العميق أثناء جنازة مانديلا
Image caption وارى الثرى جثمان مانديلا الذي عرفه العالم كمقاتل، ولكنه هذه المرة لم يعد بحاجة للقتال لأنه يرقد الآن في سلام.

سار مئات الأشخاص أمامي وأنا في طريقي إلى حيث يرقد نيلسون مانديلا في تابوت من الخشب والزجاج – ولم أكن أسمع سوى دقات قلبي الذي ينبض بكل قوة.

واصطف الناس على جانبي التابوت، وكان هناك أربعة رجال يرتدون زيا أبيضا يقفون حول التابوت لحراسته.

ووقفت أمامهم شرطية توجه الواقفين في محاولة لتنظيم حركة المرور، وكانت تقول وأنا أقترب منها: "من فضلكم، ليسير واحد من اليسار، وآخر من اليمين".

ولم تكن الشرطية تبعد عني أكثر من متر واحد، غير أن صوتها كان يبدو بعيدا للغاية مقارنة بنبضات قلبي التي باتت الآن أكثر سرعة وأعلى صوتا.

وكانت هناك سجادة حمراء على الطريق المؤدي إلى النعش الذي سيحتضن جسد مانديلا إلى الأبد.

وعندما اقتربت من ذلك النعش، شعرت بأن قدماي أصبحت ضعيفة وثقيلة، وكأنني نسيت كيفية المشي. وأصبحت نبضات قلبي الآن أسرع وأعلى صوتا من ذي قبل، ولم أكن أعرف سبب شعوري بالقلق لهذه الدرجة.

لقد ذهبت إلى العديد من جنازات السود في جنوب أفريقيا، وكان المعتاد هو وضع التابوت وهو مفتوح، والناس تمر به لوداعه.

ولم أبك في كل الجنازات التي ذهبت إليها سوى مرتين: الأولى وأنا أودع جدتي الحبيبية عام 2002، والثانية أثناء تشييع جثمان ابنة عمي، التي كنت أنظر إليها دائما على أنها شقيقتي الكبرى.

والآن أبكي بشدة على فراق مانديلا، الذي لم تجمعني به أية صلة قرابة، ولكنني أحبه بشدة.

لقد أحببته بشكل لم أدركه إلا عندما رأيته وهو مفارق للحياة.

Image caption ثمة شيء ما في مانديلا يجعلك تشعر أنه مقرب للغاية من قلبك.

حزن عميق

ثمة شيء ما في مانديلا يجعلك تشعر أنه مقرب للغاية من قلبك، سواء كنت قد التقيت به شخصيا أو كنت موجودا في مكان معه.

كان من الممكن أن تكون في غرفة تكتظ بآلاف الأشخاص، ولكنه ينظر إليك ويجعلك تشعر كأنك الشخص الوحيد الذي يهتم بك، وهذه موهبة نادرة وخاصة.

وهذا هو الشعور الذي انتابني وأنا أشاهد التابوت الخشبي. كان هناك ثمانية أشخاص وقفوا لإلقاء نظرة الوداع، لكني شعرت أنني كنت بمفردي في تلك اللحظة التي أقول فيها وداعا مانديلا.

رفع الجميع أيديهم وهو يشيرون بعلامات الحرية، وخرجت وأنا أشعر بغصة في حلقي.

ورفعت يدي وأنا أقول له وداعا، وشعرت بأنني ثقيلة للغاية، وقلت لنفسي "انهضي"، في محاولة للحفاظ على يدي مرفوعة.

لم تستمر تلك الأحداث سوى دقيقتين، ولكنها مرت علي وكأنها دهرا كاملا. وشعرت وكأن كتفي يهتز بقوة والدموع تحرق عيني.

Image caption أعداد غفيرة من الشعب الجنوب أفريقي تلقي نظرة الوداع على مانديلا.

رحيل "ماديبا"

لم يكن هناك شيء من الغناء الذي شهدناه خلال الأيام القليلة الماضية، وكان الأمر يقتصر على مجموعة من الناس يبكون ويشدون من أزر بعضهم البعض - وكثير منهم غرباء يلتقون بعضهم للمرة الأولى.

وقامت شرطية لا أعرف من أين جاءت بإعطائي منديل ورقي كي أجفف دموعي. واضطررت للجلوس قليلا في أسفل السلم والاكتفاء بمشاهدة الناس، وهم يمرون من أمامي وأنا أتفحص وجوههم الحزينة.

ولكن الأهم من ذلك هو أنه كان يتعين علي أن أصرخ بكل قوة. في الحقيقة، لا أتذكر آخر مرة شعر فيها قلبي بهذا القدر من الآلم - ربما كان ذلك في جنازة جدتي، لست متأكدة.

كتبت مقالات لا تحصى عن مانديلا، الذي يعرف أيضا باسم "ماديبا"، واستخدمت عبارة "أبو الأمة" للإشارة إليه، ولكني اليوم فقط أدركت معنى ذلك بعد أن ملآ الحزن فؤادي.

ما زال هنا

بدأت أشعر بالجنازة وأنا أجلس أسفل سلالم ذلك البناء الضخم من مباني الاتحاد، وكان علم جنوب أفريقيا منكسا.

لقد رأيت مانديلا؛ ذلك الرجل الذي جعل من الممكن لفتاة مثلي أن تصل إلى ما هي عليه الآن. لقد رأيته، ولم أستطع القيام بأي شيء سوى البكاء.

رحل الرجل الذي جعلني أؤمن بأنه لا يوجد شيء بعيد المنال – وأن الأشخاص من ذوي جلدتي ليسوا أقل شأنا، بغض النظر عن اعتقاد البعض في بلادنا.

غيب الموت مانديلا، لكنه لا يزال عملاقا. لم يكن يبدو كرجل دخل في صراع رهيب مع المرض، وكان هذا في حقيقة الأمر شيء هام للغاية بالنسبة لي، لأن أي شخص لا يريد أن يتذكر الشخص الذي يعشقه وهو في حالة ضعف.

رأيت عائلات وغرباء يحتضنون بعضهم البعض، وأنا الآن في أحضان هيلين، وهي زميلة لي تعرفت عليها يوم أمس فقط، في الوقت الذي يشعر فيه كلانا بالانكسار التام.

تأثرت كثيرا بذلك، فهذه هي اللحظة التي قضى من أجلها مانديلا وغيره سنوات عديدة خلف القضبان.

قامت فتاة سوداء من قرية مجهولة بالبكاء في أحضان فتاة بيضاء، وهما يشعران بنفس الآلم العميق.

وقفت وألقيت نظرة أخرى على النعش، ورحلت وأنا أقول: "ماديبا، أنت لا تزال هنا".

المزيد حول هذه القصة