وجه آخر للصومال التي مزقتها الصراعات

مساحات خضراء واسعة بالصومال
Image caption الصومال تمتلك مساحات كبيرة من المسطحات الخضراء

وجه آخر للصومال جرى اكتشافه بعد أن فقدت نظّارتي التي أستخدمها في القراءة، اكتشفتُ مزارع المانجو والأسواق التي تعجُ بحركة مرتاديها في بلد مزقته الصراعات على مدار عقدين.

ويلقي هذا المقال الضوء على شيء جديد تعلمته خلال الرحلة، وهو أن في الصومال أمكان عديدة غالية في الجمال، حيث السهول الخضراء والجبال الشاهقة. ويوضح جانب منه كيف أضعت نظارتي وسط الصومال، وسط ساحات المعارك هناك.

نعم، شاهدت كل هذا في الصومال، شاهدته دون نظارتي وعبر نافذة العربة المصفحة التي كنت أستقلها.

سافرت إلى الصومال تحت حماية قوات الاتحاد الإفريقي ورعايتهم، فهم يخضون حربا بكل ما تعني الكلمة من معنى ضد "جيش" حركة الشباب الإسلامية المتشددة، التي تتمتع بدرجة عالية من الحماس والقوة.

"جيش حقيقي"

نعم، أصفهم بـ "الجيش"، لأني أعتقد أن وصفَيْ "المتمردين والعصابات المسلحة" غير دقيقين.

وتسيطر "الشباب" على مساحة كبيرة من الأرض هناك، والتي يمكن اعتبارها أكبر مساحة تتحكم فيها جماعة أو حركة على ارتباط بتنظيم القاعدة في العالم.

فالحركة تتحرك كالجيش، تستخدم أساليب حفر الخنادق الذي كان منتشرًا إبّان الحرب العالمية الأولى، لديها مدافع هاون وتكتيكات خاصة، إنها ليست "حركة رعاع".

أعلم لماذا تتمكن الحركة يوميا من مهاجمة جنود الاتحاد الإفريقي، الذين قضيت معهم أسبوعين، حيث تستخدم الحركة قنابل على جانب الطريق، ولديها عدد من القناصة، ووسائل على قدر كبير من التنسيق العسكري، إذ رأيت ذات مرة قاعدة للاتحاد الأفريقي وما لحق بها من أضرار فور هجوم لحركة الشباب عليها.

اقتحمت موقع إطلاق النار بحذر، ووطأت المساحة الخضراء التي سُويت بالأرض، ورأيت المكان الذي كان يجلس فيه عدد من اعضاء الحركة قبل أن يتركوا القاعدة بساعات قليلة، وجلست على الأرض أحصي الطلقات الفارغة التي اندفعت من أسلحتهم اللامعة.

وينخرط في هذه الحرب الدائرة هناك أكثر من 17 ألفًا من جنود الاتحاد الأفريقي، بينها كتائب مدرعة بعدد من دبابات "تي 55" المصنوعة منذ الحقبة السوفيتية.

وتنتشر القوات الأجنبية في الصومال لدعم القوات الحكومية ذات القدرات المحدودة، والتي تعجز عن مواجهة الحركة.

لكن ما لا يعلمه الكثيرون عن الصومال أن بها بساتين للبرتقال والمانجو والعديد من الأنهار والأراضي الزراعية سهلة الري، بالإضافة إلى الأسواق الرائجة.

حقيقة، لم أكن أنا أعلم ذلك، لأني لم أر هذه الأشياء من قبل سواء أكنت مرتديا نظارتي أو دونها. والصحفيون عادة ليسوا محظوظين بالقدر الكافي، مثلما كنت محظوظا حين قضيت أسبوعين كاملين أقود سيارتي متجولا في أرجاء الصومال.

سهول وسط الصراعات

وخلال هذه الرحلة، سافرت مئات الكيلومترات في جنوب البلاد ووسطها وشاهدت بعض مظاهر الحياة الحقيقية التي تمضي وسط القتال. لقد رأيت المزارع والأنهار والقنوات، وقطعانا عديدة من الإبل والماعز، والغابات والأشجار المثمرة، والمحاجر.

Image caption تسيطر حركة الشباب على مساحة كبيرة من الأرض هناك

وبالرغم من أن القتال الدائر في الصومال يرجع في جزء منه إلى أسباب عقائدية مرتبطة برغبة حركة الشباب في تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن من أهدافه أيضا السيطرة على هذه الموارد الغنية والمناطق الريفية الخصبة والبديعة أحيانا.

ولكن بالعودة إلى قصة نظارتي التي فقدتها خلال مرافقتي لضابط من القوات الأوغندية، حيث بدأ الضابط في إجراء اتصالات مع زملائه عبر هاتفه المحمول لكي يقتفوا أثرنا على الطريق الذي جئنا منه.

وفي الحقيقة يجب أن أقر بأنني اعتقدت أن ذلك كان فقط للاستعراض، لكن بعدها بأيام قليلة دهشت تماما حينما أبلغني ذلك الضابط بأنه عثر على نظارتي في مكان الاشتباكات حيث انحنيت لأحصي عدد الطلقات التي أطلقها مسلحو حركة الشباب خلال القتال.

وعادت نظارتي إليَ بعد رحلة طويلة ذهبت خلالها أولا عبر ناقلة جنود مدرعة إلى مقر القوات الأوغندية بالعاصمة مقديشيو. لكن نظارتي لم تنكسر بالرغم من ارتطام المدرعة بلغم أرضي خلال الطريق.

Image caption أكثر من 17 ألفا من جنود الاتحاد الأفريقي في الصومال

وبعد ذلك نقلت نظارتي داخل سيارة أخرى مدرعة من مقر القوات الأوغندية إلى مكتب الرئيس الصومالي، حيث يعمل أحد أصدقائي والذي تصادف أنه سيسافر إلى بريطانيا في وقت لاحق.

وقفزت النظارة سريعا من مقديشيو إلى نيروبي، ثم في رحلة أطول قليلا إلى لندن، حيث عادت لي نظارتي أخيرا، وسلمها لي صديقي هنا في مقر البي بي سي. لقد انثنت قليلا، لكن بشكل يمكن معالجته.

لقد جعلت رحلتي مع قوات الاتحاد الإفريقي عددا من الأشياء في موضع تركيز أكثر. أولا: أن هناك حربا شرسة وواسعة في هذا البلد، لكن الصومال ليس هي فقط مناطق القتال، وإنما بها أيضا مناطق بديعة للغاية.

وفي النهاية، إذا فقدت نظارتك ذات مرة في ساحة قتال، فما أستطيع قوله لك: لا تفقد الأمل أبدا.

المزيد حول هذه القصة