عمال أفران الطوب فى الهند "يعيشون كالعبيد"

Image caption هناك تقارير تفيد بحدوث إنتهاكات ضد العمال

على حدود مدينة حيدر أباد جنوبي الهند، علي الطريق السريع وسط مساحات خضراء تمتد عبر الأفق، تعلو الأدخنة متصاعدة من الأفران العملاقة.

تلك الأفران التي تستخدم فى تجفيف الطفل الطيني وتحويله إلي قوالب من الطوب لبناء "الهند الحديثة".

حموضة الهواء المتشبع بسخام الفحم، تزكم الأنوف كلما اقتربت من المكان.

المشهد يبدو خارج الزمن، رجال وسيدات يمشون فى صف صعودا وهبوطا كمن يتسلق الهرم يئنون تحت وطئة حملهم الثقيل ويحتفظون باتزانهم تحت ثقل صناديق الطوب النيء التي يحملونها إلى الأفران.

فى الأسفل رجال بملابسهم الرثة يغوصون حتي ركبهم فى المياه، حيث يمزجون الطمي بالطفل.

يقول أحد العمال "من الصعب حمل قوالب الطوب بينما تغوص قدماك في الماء" بينما يقوم بصب الطمي وتسويته داخل القوالب.

ويضيف، "نقوم بعمل 1500 قالب طوب في اليوم الواحد ولا يتم اطلاق سراحنا قبل ستة أشهر".

"منافي للقانون"

ويقبع عدد من النساء والأطفال فوق تل قريب من هذا المكان أغلبهم حافي القدمين وتمسك امرأة بيديها العاريتين بمعول لتكسير الفحم بينما يقوم طفلان لا يتجاوز عمرهما السنوات الأربعة بنفس العمل ضاربين قطعة فحم بأخري حتي يلطخ وجههما السواد.

يقول الناشط العمالي إيشالا كريشنا "كل ما يجري هنا يخالف القانون. كل هذا يتنافى مع قانون الحد الأدنى للأجور لسنة 1948 ومع قانون العمل القسري لسنة 1976 ومع قوانين العمال المهاجرين بين الولايات لسنة 1979".

و يضيف كريشنا وهو عضو فى منظمة برايس لحقوق الإنسان "عمالة الأطفال، التحرش الجنسي، الانتهاكات الجسدية .. كل هذا يحدث هنا يوميا".

وتستعمل قوالب الطوب فى بناء المكاتب والمصانع ومراكز الإتصال وكل المشاهد المعمارية التي تعكس معجزة اقتصادية ناشئة، كما بدأت الشركات العالمية متعددة الجنسيات فى استخدام هذه المباني.

ولكن الناشط كريشنا يستبعد أن تستوفي أبنية شيدت فى مثل تلك الظروف معايير البناء الدولية.

وبدأ موسم صناعة الطوب والذي يمتد لستة أشهر. وبدأت عشرات الآلاف من الأسر غالبيتهم من سكان ولاية أوريسا فى التوافد إلى ولاية اندرا براديش حيث توجد أفران الطوب.

وثمة تقارير كثيرة تفيد بحدوث انتهاكات من بينها تقرير يتهم مقاولي عمال بقطع يدي اثنين من العمال الأسبوع الماضي بعد أن حاولا الهرب.

وتقع الأفران التى زرناها وسط أشد المجتمعات فقرا فى الهند.

وينتشر الأطفال فى هذا المكان الذي يفتقد لوسائل الأمان، كما تنتشر الروايات عن أمراض العمال وحجب رواتبهم وأشياء أخرى.

ويقول كريشنا إنهم "يعملون بين 12 و18 ساعة يوميا، ومن بين العمال يوجد أطفال، ومراهقات وسيدات حوامل. طعامهم قليل ولا يوجد ماء نظيف ليشربوه. حياتهم أشبه بالسخرة."

وتستمر هذه الأوضاع منذ عشرات السنين وربما منذ قرون. وحتى وقت قريب كان الشعور العام إنها سوف تتحسن تدريجيا مع مرور الزمن. لم يكن تغييرها يمثل ضرورة ملحة.

ولكن فى عام 2011، أصدرت الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمة التعاون والتنمية الاقتصدادية قواعد استرشادية للشركات متعددة الجنسيات العاملة فى دول مثل الهند.

وبموجب تلك القواعد تصبح الشركات مسؤولة عن تحري أوضاع حقوق الإنسان فى البلدان التى تنوي العمل بها.

"تغير قواعد اللعبة"

ويرى تايلور غيلارد المستشار القانونى لمنظمة التعاون والتنمية االقتصادية أن تلك الخطوة سوف تغير قواعد اللعبة "من الآن فصاعدا سوف تؤخذ على محمل الجد أية مزاعم حول انتهاكات حقوق الإنسان."

وتهتم المنظمة بمتابعة الانتهاكات التي تقع فى محيط الصناعات المرتبطة بنشاط الشركات أو منتجاتها أو خدماتها.

وقد خصصت الحكومة البريطانية خطوط إتصال لتلقي أية معلومات عن حدوث انتهاكات من هذا النوع.

كما قامت بتعديل قانون الشركات في بريطانيا بحيث تصبح الشركات ملزمة بإدماج حقوق الإنسان فى تقاريرها السنوية. ويسري هذا بدءا من أول أكتوبر/تشرين الأول 2014.

ويقول مدير مبادرة التجارة الأخلاقية بيتر ماك أليستر "نتوقع أن يتعامل أي عضو بمنتهى الجدية الأدلة على وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان لها صلة بشركاتهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر".

وتضم مبادرة التجارة الأخلاقية في عضويتها شركات متعددة الجنسيات .

كما قام تحالف نقابي دولي بطرح مبادرة لحث الشركات على التأكد من احترام حقوق الإنسان.

"داء متوطن"

ويقول أندرو برادي مسؤول بالتحالف إن "السخرة وعمالة الأطفال فى أفران الطوب وصلت إلى مستويات وبائية."

ويضيف "ببساطة الطوب الرخيص يساوي مبان ومكاتب رخيصة يدفع ثمنها العمال من عبوديتهم ومن دمائهم."

وتؤكد الحكومة الهندية أنها تولي اهتماما بالغا بهذه القضية، وتقول إنها توفر المساكن والمدارس فى مناطق الأفران المحيطة بحيدر آباد وتمدها بالمياه النظيفة.

ويقول وكيل وزارة العمل بولاية اندرا براديش إن سوق العمل ملائمة جدا للشركات متعددة الجنسيات.

ويضيف المسؤول "اتخذنا الإجراءات اللازمة ضد أصحاب الأفران الذين حاولوا استغلال العمال. لا يوجد عمل بالسخرة ويحصل العمال على الحد الأدنى من الأجور. أما إذا وجدت بعض المخالفات فى جيوب هنا أو هناك فيجب التعامل معها".

ففى أحد الأكواخ الطينية حيث يسكن العمال قابلنا فتاة فى الخامسة من عمرها. أتت هذه الطفلة مع أخ لها عمره سنتان بصحبة أبويهما من ولاية أوريسا.

وانحنى كريشنا ليفحص عينيها: "إنها تعانى من مشكلة فى عينيها بسبب الأدخنة. أنظر اللون الأبيض فى عينيها.. نسبة الهيموجلوبين منخفضة جدا.. إنها تعاني من الصداع بسبب الأدخنة المنبعثة من الطوب كما أن معدتها مضطربة بسبب الماء الملوث."

ولكن بصرف النظر عما تقوله الحكومة أو النشطاء من الآن فصاعدا يكون لزاما على الشركات نفسها إقرار الحقائق على أرض الواقع بموجب القواعد الجديدة.

وفي حالة ما عثر على أطفال فى مثل أوضاع هذه الفتاة، يجب اتخاذ خطوات لمساعدتهم.

المزيد حول هذه القصة