روسيا: متطوعون يبحثون عن قتلى الحرب العالمية الثانية

Image caption لا زالت جهود البحث عن رفات الجنود الروسيين ضحايا الحرب العالمية الثانية تقتصر على الأعمال التطوعية

لقي نحو 70 مليون انسان مصرعهم خلال الحرب العالمية الثانية، ومن بينهم 26 مليون قتلوا على الجبهة الشرقية، ومن بين أولئك أربعة ملايين اعتبرتهم السلطات رسميا في عداد المفقودين، وهو ما دفع مجموعة من المتطوعين الروس إلى البحث عن رفاتهم من أجل التعرف على هوياتهم ودفنهم بالشكل اللائق في إطار جهود استمرت لعشرات السنوات بعد الحرب.

ولا تبعد الجثث التي بدأ المتطوعون في العثور عليها عن سطح الأرض كثيرًا، وفقًا لإحدى المتطوعات في عملية البحث، أولجا إفشينا، والتي تسير ممسكة بجهاز الكشف عن المعادن الذي يقطع صمت الغابات بصوته المرتفع.

وتؤكد إفشينا أن أغلب الرفات التي عثر عليها كانت قريبة جدا من سطح الأرض، ولا تغطيها سوى طبقات من النباتات الجافة وأوراق الأشجار، والأرجح أن تكون تلك هي الأماكن التي سقطوا فيها بعد قتلهم.

وقالت إفشينا "إنهم يرقدون في مواقع قتلهم، وهم ينتظروننا، وينتظرون الفرصة التي يعودون فيها إلى ديارهم سالمين."

أما مارينا كاوتشينسكايا، متطوعة أخرى، فبدأت العمل منذ 12 عامًا في البحث عن رفات الجنود من ضحايا الحرب العالمية الثانية الذين لقوا حتفهم على الجبهة الشرقية.

تترك مارينا منزلها وعملها في ملابس الحوامل، وتترك طفلها الصغير في أغلب عطلاتها وتقطع مسافة بعيدة للبحث عن رفات الجنود.

وتقول مارينا "في كل ربيع وصيف وخريف أشعر بحنين بداخلي يدفعني إلى الخروج للبحث عن الجنود المفقودين. إن قلبي هو ما يحركني بقوة في اتجاه هذا العمل."

خطر الانفجار

تستقل كل فرقة من فرق البحث، والتي يصل عددها الحالي إلى 600 فرقة يشكلها المتطوعون، سيارة عسكرية صغيرة في رحلة تمتد لنحو 24 ساعة حتى تصل إلى أطراف الغابات بالقرب مدينة سان بطرسبرغ الروسية الشمالية.

وتخيم الفرقة في ذلك المكان وتعتمد على إمكانات بسيطة جدًا للإعاشة والبحث.

ولا تخلو عملية البحث من المتاعب حيث ينبغي العمل بحذر شديد أثناء الحفر لأنه في أغلب الأحيان يكون الجنود في وضع قتال، فمنهم من مات وفي يده قنبلة يدوية قد تنفجر لأي سبب، ومنهم من تحتوي حقيبة الظهر التي يرتديها على قذائف مدفعية، وهو ما يجعل المهمة محفوفة بالمخاطر طوال الوقت، ويكون المتطوع عرضة لمواجهة انفجار قوي في أي وقت ما لم يحفر بحرص ورفق.

فعلى سبيل المثال، وجدت المتطوعة مارينا ذات مرة مكعبًا ظنت أنه مكعب صابون، لكن أحد أفراد مجموعة البحث أوضح لها أنها مادة تي إن تي شديدة الانفجار.

ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها فرق المتطوعين للعثور على رفات الجنود، لم تسفر تلك العمليات عن الكثير من الكشوف.

Image caption يعمل المتطوعون في ظروف صعبة وبإمكانات محدودة.

ففي 22 يونيو / حزيران عام 1941، شن هتلر أكبر حملة عسكرية وأكثرها دموية في تاريخ البشرية بهدف ضم الاتحاد السوفييتي الاشتراكي إلى الرايخ الثالث وكانت مدينة سان بطرسبرغ، المعروفة بلينينغراد في ذلك الوقت، هي الهدف الأهم لتحقيق أهداف الجيش الألماني، ولكنه فشل في الاستيلاء عليها فاضطر إلى حصارها وتجويع القوات السوفييتية التي كانت بالمدينة والتابعة للجيش الروسي الأحمر.

كانت نتيجة المعركة الدامية والحصار المضروب على المدينة هي مقتل 19 ألف من الجنود الروس في مساحة لا تتجاوز 10 كم مربع، وهي مساحة مدينة ليوبان الروسية التي تبعد عن سان بطرسبرغ 80 كم.

ولم تسفر جهود البحث في المدينة إلا عن استخراج رفات 2000 جندي فقط.

وكانت القوات الألمانية قد توغلت في عمق الأراضي الروسية لنحو 2000 كم، مما أسفر عن مقتل الآلاف من جنود الجيش الأحمر والذين لم يعثر على رفات أغلبهم حتى الآن.

ومع أن الاتحاد السوفييتي أصدر قرارًا عام 1963 يوجب إزالة جميع آثار الحرب، لم تتحرك السلطات السوفيتية السابقة ولا الروسية الحالية في اتجاه البحث عن رفات الجنود، حتى أن بعض العوامل التي استجدت على الأراضي التي شهدت تلك المعارك الدامية قد تؤدي إلى فقد أغلب الرفات الموجودة إلى الأبد.

دور الدولة

Image caption يعثر المتطوعون على مقابر جماعية مما يصعب مهمة التعرف على هويات القتلى

ويتسائل إلي بروكوفييف، ضابط سابق بالجيش الروسي وأكثر المتطوعين في عمليات البحث خبرة وتمرسًا، عن الأسباب وراء عدم انصياع الحكومات المتوالية لقرار الاتحاد السوفيتي، ويشكك أيضًا في أن يكون السبب الوحيد في زرع الغابات وإقامة المباني والمشروعات الاقتصادية المختلفة في اماكن المعارك الضارية التي شهدتها روسيا أثناء الحرب العالمية الثانية هو التنمية فقط.

كانت الرفات الأولى التي استخرجها بروكوفييف عام 1983 عندما وجد حذاءً عسكريًا وسط الطين، وعلى بعد أمتار وجد خوذة عسكرية اكتشف أنها لجندي روسي فبدأ في البحث في محيطها، وأزال بعض طبقات النباتات الجافة، وأوراق الشجر ليعثر على رفات أحد الجنود الروس الذين تعتبرهم السلطات في عداد المفقودين حتى الآن.

وكان المتطوعون في الصيف الماضي قد اكتشفوا مقبرة جماعية وصل عدد جثث الجنود الذين دُفنوا فيها حوالي 40 يُعتقد أن دفنهم تم بطريقة بسيطة للغاية وكان القائمون على عملية الدفن في عجالة من أمرهم.

ولم يحدد المتطوعون ما إذا كان القائم على عملية الدفن هم جنود روس كانوا يوارون رفاقهم التراب أم أن القرويين هم من قاموا بذلك، أم أنه الجيش الألماني هو من قتلهم ودفنهم وفقًا لصحافية بي بي سي في روسيا نيفسكايا دوبروفكا التي تشارك في عمليات البحث كمتطوعة.

فلسفة البحث

Image caption الدافع الإنساني هو القوة المحركة لفرق البحث عن رفات ضحايا الحرب

وتقول نيفسكايا "عندما أعود إلى العاصمة موسكو وأجد زميلاتي يتأففن من عدم وجود سيارة مناسبة أو مصمم ملابس أفضل، أشعر بأن كل هذه الأمور تافهة، فأنا لا آبه بتلك الأشياء، ولا أهتم بها على الإطلاق بما في ذلك وظيفتي كصحافية، ولكن عند المشاركة في الحفر أشعر بأن لي قيمة كبيرة في هذه الحياة."

وتقول أولجا إفشينا "أحيانا ما يحتاج الإنسان إلى الإحساس بأن له قيمة، وإلى إدراك أنه ليس مجرد ذرة تراب في هذا الكون. إن البحث عن رفات الجنود يربطنا بالماضي بقوة. فهم بالنسبة لنا بمثابة المرساة الملقاة في الأعماق التي تهبنا الثبات مهما اشتدت العاصفة."

ولا تنتهي المهمة بمجرد العثور على الرفات، حيث تُستكمل مهمة المتطوعين بالجزء الثاني الذي يتضمن الكشف عن هوية صاحب الرفات والوصول إلى اسمه وبذل كل جهد ممكن في سبيل ذلك.

فلا يكتفي المتطوعون بإرسال الرفات إلى قبر الجندي المجهول الذي يقع مقابل الكرملين في العاصمة موسكو لأنهم ببساطة يرون أن التكريم الحقيقي لهؤلاء الذين ضحوا بأنفسهم أثناء الدفاع عن روسيا هو استعادة هؤلاء لهوياتهم وتكريم أسماءهم الحقيقية والخروج بهم من دائرة كونهم جنودا مجهولين.

ويقول إلي بروكوفييف "هؤلاء الجنود كانت لهم أسر، وأولاد، وحبيبات، وليس من المنطق أن يظلوا مجهولين ونحن من جعلناهم كذلك."

ويلجأ فريق البحث إلى عدة أشياء تساعد على التعرف على هوية صاحب الرفات التي غالبًا ما تكون عملية صعبة.

فهناك على سبيل المثال العملات المعدنية التي تقرضها العائلات للجنود اعتقادًا منهم بأنه إذا اقترض الابن المحارب بعض النقود، فهو عائد لا محالة لرد الدين.

Image caption غالبًا ما تكون عملية التعرف على صاحب الرفات صعبة للغاية

كما يستخدم الباحثون المتعلقات الشخصية مثل الصور الفوتوغرافية والمتعلقات الشخصية مثل الملاعق والأطباق التي غالبًا ما يكون محفور عليها الأحرف الأولى من أسماء الجنود.

المثوى الأخير

بالقرب من نهر نيفا الروسي، اكتشف فريق البحث مقبرة جماعية الصيف الماضي، وكان بها عدد كبير من الجثث التي تحولت إلى مجرد رفات مما دعاهم إلى تنظيم حفل تأبين لهذا الكم الهائل من العظام البشرية المتبقية من جثث الجنود.

وتضمن التأبين حفر قبر جديد ووضع العظام في مئة صندوق من صناديق الموتي التي غطيت باللون الأحمر لترمز إلى الجيش الأحمر الذي قاتل الجنود في صفوفه أثناء الحرب العالمية الثانية.

جُمعت عظام الجنود في الصناديق المئة بحيث يحمل كل صندوق عظام ما يتراوح بين 12 و 15 جندي وذلك لأن القائمين على حفل التأبين لم يكن باستطاعتهم شراء 1500 صندوق.

وبعد إنزالهم الى القبر الكبير، بدأ كاهن أرثوذوكسي روسي في تلاوة التراتيل الجنائزية وسط عدد كبير من المشاركين في مراسم إعادة الدفن، ومن بينهم أسر وأبناء الجنود الذين توصلت جهات البحث إلى هوياتهم.

المزيد حول هذه القصة