اضطرابات القرن الأفريقي لا تفسد مناخ الهدوء في جيبوتي

Image caption رغم الموقع المضطرب تنعم جيبوتي بحالة من الهدوء اللافت للنظر

أصبحت جيبوتي، بحكم موقعها الجغرافي المطل على القرن الأفريقي وعند مدخل البحر الأحمر، في بؤرة الصراع الدائر في ظل معركة أمريكية مع حركة الشباب الصومالية المتمردة.

ورغم ذلك فهي تنعم بحالة من الهدوء اللافت للنظر مقارنة بكونها تربط بعض أخطر معاقل العالم تمردا المنطقة.

أول ما شاهدته عندما وطأت قدماي أرض مطار جيبوتي، التي تقع على ساحل خليج عدن، علم البلاد الذي يرفرف في نسيم الهواء الأفريقي، وإلى جوار صالة وصول المسافرين المدنيين شاهدت القاعدة الأمريكية الدائمة الوحيدة في البلاد.

تصطف طائرات نقل رمادية تنتظر دورها على مدرج إقلاع وهبوط الطائرات مع وصول طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية قادمة من العاصمة باريس.

تقع قاعدة كامب ليمونيه، التي كانت في السابق قاعدة للفيلق الأجنبي الفرنسي، على مقربة من صالة الوصول بحيث يمكنك بالفعل سماع دوي نفير استدعاء الجنود مع رفع وخفض العلم الأمريكي في بداية ونهاية نهار كل يوم.

عندما جئت أول مرة هنا قبل عشرين عاما، كانت جيبوتي مازالت تشعر كأنها محمية تابعة لفرنسا، وكان الجنود التابعون للفيلق يراقبون تحت وطأة حرارة الشمس الحارقة وصول المسافرين.

استطاع البلد، الذي نال استقلاله عن فرنسا عام 1977، سحق تمرد على حدوده مع إريتريا، وكانت تنتشر حفر الألغام على الطريق المؤدي إلى خارج المدينة، فضلا عن الإضاءة الخافتة التي كانت تعم العاصمة جيبوتي.

بعدها ومنذ ذلك الوقت تحسنت الأوضاع، أصبحت المدينة أكثر وهجا بالإضاءة، وسدت حفر الألغام كما أزيلت لافتات إرشادات الطرق التي أصابتها طلقات الرصاص ويعلوها الصدأ، وأصبحت العاصمة الصغيرة، وما بها من طرق واسعة ومقاهي، أكثر إحساسا بكونها عاصمة للبلاد.

مشاعر متضاربة

صاح أحدهم مناديا علي وأنا أسير في الشارع أجلس على كرسي متحرك "فرانك غاردنر، أنا أستمع إليك على بي بي سي."

يدعى ذلك الشخص عبدي وكان قد قضى ثماني سنوات في مانشستر ببريطانيا، وهو الأن يعمل بالتدريس في الجامعة الوطنية.

قال عبدي إن عودته إلى جيبوتي بعد كل هذا الفترة كانت صعبة للغاية، لكنني سعدت بأنه يشعر بأن مستقبله هنا.

كان يصيح علىّ الشحاذون الذين يتكئون على ركائز أو يجلسون على كراس متحركة، بدت عليهم السعادة الغامرة لرؤيتهم أجنبي زائر لبلادهم على كرسي متحرك .

يشعر الأوروبيون على نحو مثير للفضول كما لو كانوا في وطنهم. فعلى الرغم من كون البلد يقبع على مقربة من معقلين من أشد المعاقل خطورة في العالم، اليمن والصومال، تنعم جيبوتي بهدوء غير عادي.

Image caption يبدو المشهد أشبه بمنظر طبيعي يعود إلى عصور فجر التاريخ

ترى أسرا فرنسية تسير في شوارع المدينة ترتدي سراويل قصيرة وتنورات وتحمل أطفالا على أكتافهم، كما ترى فتيات يرتدين التي شيرت ويتزلجن في الطريق و يبتسمن لجنود الدرك الجيبوتيين.

كما يوجد هناك حانات، وسمعت جيبوتيا يصفها بسدوم وعمورة شرق إفريقيا، حيث تجتذب الحانات فتيات من إثيوبيا المجاورة للعمل والاختلاط بالبحارة الفرنسيين الذين يتجمعون على الشاطئ.

وحتى الآن وعلى مدى خمسة أشهر لا يبرح الأمريكيون مغادرة قاعدتهم وذلك في أعقاب تعزيزات أمنية بعد هجوم شنته حركة الشباب الصومالية على سوق (ويستغيت) التجاري في العاصمة الكينية نيروبي.

وعلى نقيض الوضع بالنسبة للفرنسيين، الذين يظهرون دوما انطباعا كما لو كانوا إما يقضون عطلة أو مازالوا عاملين في المنطقة هنا، يدأب الأمريكون على الحراسة تحسبا لشن أي هجوم إرهابي يشنه المتمردون.

رائحة الياسمين

ركبت مروحية طراز (بايف هوك) مع مجموعة من طياري مهام الإنقاذ القتالية التابعين لسلاح الجو الأمريكي في رحلة جوية منخفضة ومثيرة فوق وادي (ريفت).

كانت رحلة تدريبية دورية، وحلقنا حول بحيرة عسل، أخفض بحيرة في أفريقيا، وهي تقع على انخفاض 515 قدما أقل من مستوى البحر.

Image caption كان هناك قطيع شرس من قردة البابون يتجول في القرية يقودهم قرد كبير

تخلو المنطقة من الحياة باستثناء جمال أخاذ ، كما أن سطحها الملحي يتلألأ لمعانا في الشمس، تطوقها حقول من الحمم السوداء البركانية.

يبدو المشهد أشبه بمنظر طبيعي يعود إلى عصور فجر التاريخ، وبصراحة يخلو المكان من وجود أي ديناصور.

لا تعتبر ضواحي جيبوتي موقعا جذابا. فكلما اتجهت نحو الغرب باتجاه الحدود الإثيوبية، تمر بسلسلة لا نهاية لها من ورش ملطخة بالبترول وأجزاء مكسورة من محركات وشاحنات تنتظر، ويتحسن المشهد فقط مع تنوع الألوان التي ترتديها النساء، والنسيم العليل الذي يملأ المكان.

وكلما ارتفعنا في الجبال يصبح النسيم دافئا ونقيا تفوح منه رائحة خفيفة لزهور الياسمين المنبعثة من الحدائق.

جلست على حافة جرف صخري وتقاسمت قطع البسكويت مع السائق يونس، ونظرت إلى أسفل للشواطئ البعيدة المطلة على خليج عدن.

وفجأة سمعت صوت صياح، وصراخ من قرية صغيرة حجرية الجدران بأسفل الوادي، كان هناك قطيع شرس من قردة البابون يتجول في القرية يقودهم قرد كبير.

وظهرت نساء يرتدين ثيابا قرمزية اللون يلوحن للقردة، وسرعان ما تجمع القردة وأعادة تنظيم صفوفهم وانطلقوا بعيدا، ربما من أجل التخطيط للعودة إلى المكان في الليل.

المزيد حول هذه القصة