هل نجحت محادثات فيينا؟

مصدر الصورة Reuters
Image caption بدت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مؤتمرهما الصحفي في نهاية جولة فيينا في حالة تفاهم كبير

أحيا التوصل إلى اتفاق مؤقت بين إيران ومجموعة خمسة زائد واحد في محادثات جنيف نهاية العام الماضي آمالا ظلت عصية على أكثر المتفائلين لمدة تفوق العقد هي عمر الخلاف بين الجانبين بسبب برنامج إيران النووي.

فالاتفاق كان الأول بين طهران والقوى الكبرى منذ بدأ النزاع بينهم وكاد عدة مرات أن يتطور إلى مواجهة عسكرية.

وأدت أجواء التفاؤل التي خلقها نجاح جنيف إلى رفع سقف التوقعات لجولة فيينا التي عقدت 18-20 فبراير بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي يبني على ما أسسه اتفاق جنيف المؤقت.

ماذا تحقق في فيينا؟

بدت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مؤتمرهما الصحفي في نهاية جولة فيينا في حالة تفاهم كبير يصل إلى حالة من الود المتبادل – هكذا على الأقل رآه عدد من الصحفيين العالميين في قاعة المؤتمر.

لكن هذا لا يخفي حقيقة أن المفاوضات كانت صعبة ويتوقع أن تزداد صعوبة مع الوقت وهو ما أقرا به. فأبرز الإنجازات التي قال ظريف وأشتون إنها تحققت خلال ثلاثة أيام من التفاوض هي كالتالي:

1- "تعريف" كل الموضوعات التي "نحتاج لمناقشتها" من أجل الوصول إلى اتفاقية نهائية وشاملة.

2- البدء فعليا في "العمل الفني"

3- وضع جدول زمني للاجتماعات "مبدئيا خلال الأشهر الأربعة المقبلة" مع "إطار" لمواصلة المداولات.

4- تحديد موعد للجولة المقبلة من المفاوضات في 17 من مارس\آذار المقبل على أن يلتقي الخبراء الفنيون أوائل الشهر ذاته.

من كل هذا لا يبدو أن ثمة اتفاقا واضحا حول أجندة المفاوضات. فكلمة "إطار" التي وضعت بعناية في منتصف البيان الختامي يفهم منها الخطوط العريضة لا التفاصيل الدقيقة وهذا يظهر أن ثمة تباعدا مستمرا في المواقف بشكل قد يضع ألغاما أمام الجولات التالية.

كما أن عبارة "تعريف الموضوعات" لا تعني الاتفاق عليها بالضرورة حتى يتم التفاوض عليها.

أين الشيطان؟

الشيطان في التفاصيل، بحسب المقولة الانجليزية الشائعة، وهنا يتضح الأمر بالمثال.

فالمشكلة تبدو جلية بالرجوع إلى تصريحات حديثة لمسؤولين أمريكيين بينهم ويندي شيرمان رئيسة وفد التفاوض الأمريكي بشأن ضرورة شمول برنامج إيران الصاروخي في المحادثات النهائية. لكن إيران أعلنت بوضوح في فيينا وعلى لسان وزير خارجيتها أن هذا خط أحمر.

وبعدما انفضت جلسات فيينا وجدنا الأمريكيين يقولون إن كل ما يريدون التفاوض عليه تم إدماجه في خطة المباحثات. ووجدنا أبضا الإيرانيين مصرين على أن موضوع الصواريخ الإيرانية خارج إطار المفاوضات. بالطبع للمحادثات أسرارها، لكن تبدو بعض الفجوات واضحة في المواقف.

وما موضوع الصواريخ إلا مثال من أمثلة بعضها معلوم وبعضها غير معلوم.

من يفاوض من؟

من المعلوم أن مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون هي من يدير الجلسات وأن طرفي التفاوض هما إيران ومجموعة خمسة زائد واحد (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا).

لكن واقع السياسة يقول إن الولايات المتحدة هي الخصم الأبرز لإيران بين الجالسين حول طاولة التفاوض كما أن صوتها هو الأعلى في توجيه الانتقادات بل والتهديدات إلى إيران في السنوات الماضية.

معلوم أيضا أن إسرائيل جهرت بانتقاد اتفاق جنيف معتبرة إياه "خطأ تاريخيا" لا اتفاقا تاريخيا.

كما أن دولا عربية أبرزها السعودية كانت لها تحفظات على ما حدث في جنيف رغم عدم إعلان تفاصيل تلك التحفظات.

وقد علمت بي بي سي من مسؤول كبير في الخارجية الأمريكية أن وفدا أمريكيا رفيع المستوى سيتوجه قريبا إلى إسرائيل والسعودية للتباحث بشأن تقدم المفاوضات النووية مع إيران.

من هذا تظهر بوضوح أطراف التفاوض. فالولايات المتحدة لا تريد خسارة حلفائها عبر إبرام اتفاق لا يخدم مصالحهم. كما أنها لن تستطيع بالضرورة ردع إسرائيل طويلا عن تنفيذ تهديدها بضرب المنشآت النووية الإيرانية كما فعلت إسرائيل سابقا مع مفاعل تموز العراقي في ضربة وأدت البرنامج النووي العراقي في مهده مطلع الثمانينيات.

وبالتالي تبدو إيران جالسة على طاولة التفاوض أمام مفاوض بارز هو المفاوض الأمريكي الذي يحمل معه أجندة حلفاء بلاده لا فقط أمام مجموعة خمسة زائد واحد.

نجاح أم فشل؟

يحرص الدبلوماسيون وخاصة الأوروبيين والإيرانيين على تصوير الأمر في صورة النجاح.

مايكل مان المتحدث باسم أشتون قال منذ اليوم الأول في فيينا إن هدف المفاوضات هو الوصول إلى "إطار قابل للتنفيذ" للتفاوض.

بهذا المعيار يبدو أن جولة فيينا الأخيرة نجحت.

لكن بالنظر إلى المستقبل تبدو الجولة وكأنما تركت سفينة التفاوض وسط بحر مليء بجبال الجليد التي يمكن أن تغرق العملية التفاوضية برمتها.

ولكن للإنصاف فإن سقف التوقعات المرتفع الذي صنعه تفاؤل ما بعد جنيف يجعل أي إنجاز بسيط يبدو أقل من الإنجاز المتوقع.

أما بالنظر إلى عشر سنوات من الإخفاقات المتواصلة في المفاوضات بين إيران والغرب ما قبل نجاح جنيف فإن ما تحقق في فيينا يبدو فعلا إنجازا.

المزيد حول هذه القصة