الحياة بعد غوانتانامو.. روايات لسجناء أفغان سابقين

Image caption قضى حاجي شاهزاده خان عامين في سجن غوانتانامو

احتجز نحو 220 أفغانيا في سجن غوانتانامو الأمريكي في كوبا، ليكونوا بذلك أكبر مجموعة من جنسية واحدة من بين السجناء الذين ينتمون إلى نحو 50 دولة.

وعادت الغالبية العظمى من السجناء الأفغان إلى بلادهم، وكان هناك صدى كبير لرواياتهم عن أوضاع السجن وأحيانا الانتهاكات التي تعرضوا لها على يد الأمريكيين.

أوقفت بعض الغرباء في أحد شوارع كابول وأقاليم أخرى من أفغانستان لسؤالهم إذا كانوا قد سمعوا عن مانهاتن أو مركز التجارة العالمي. كان القليل منهم على علم بهذين المكانين، لكنهم جميعا كانوا يعلمون ما هو سجن غوانتانامو.

وقال حاجي غالب، وهو مسؤول شرطة محلي سابق من شرقي أفغانستان اعتقل في مكتبه في فبراير/ شباط عام 2003، إن "في تاريخ البشرية، كان هناك فقط سجنان بمثل هذه الوحشية، أحدهما (السجن الذي أقامه) هتلر والآخر هو هذا السجن الأمريكي".

وهذا يلخص السمعة السيئة لغوانتانامو في أفغانستان.

توفي ثلاثة أفغان وهم قيد الاعتقال في غوانتانامو، وأفرج عن جميع الباقين باستثناء 19 معتقلا ودون أن توجه لهم تهما. وحظي هؤلاء في الغالب بترحيب الأبطال لدى عودتهم.

وقال حاجي شاهزاده خان، وهو شيخ قرية من قندهار جنوبي أفغانستان، إن "الآلاف تجمعوا من قريتي والمنطقة المحيطة للترحيب بي. صافحت أكثر من ألفين منهم."

وحدث الأمر نفسه مع عزة الله نصرتيار، وهو مقاتل سابق ضمن المجاهدين اشترك إبان شبابه في القتال ضد القوات السوفيتية بمساعدة الولايات المتحدة.

ويقول نصرتيار "لاقيت ترحيبا حارا من الناس الذين قدموا لي الماشية وغيرها مما استطاعوا تحمل نفقاته."

لكن مدى استعداد هؤلاء السجناء السابقين في غوانتانامو للكشف عن تجاربهم كان متفاوتا.

ألّف البعض كتبا حققت أعلى المبيعات في أفغانستان وباكستان، بينما كان آخرون أكثر حذرا.

وقال حاجي نصرت خان والد عزة الله "فعلوا بنا أشياء ضد الإنسانية، ضد حقوق الإنسان وضد الإسلام. لا يمكنني حتى التحدث عن ذلك ولن أتحدث عنه."

كان حاجي نصرت الله في أواخر السبعينات من العمر ويعاني من مشاكل صحية حينما ألقت القبض عليه قوات أمريكية عام 2003 في مداهمة لمنزله في قرية على بعد كيلومترات قليلة خارج العاصمة الأفغانية كابول.

ويروي قائلا "قلت لهم قدموا لي دليلا واحدا، إذا لم يكن لديكم دليل فلماذا تلقون القبض علي وتحتجزونني هنا؟ لم أكن أنا فقط، بل كان هناك الكثير من الأبرياء الذين اعتقلوهم."

ويفضل حاجي زاده أيضا التزام الصمت.

"أقول عادة للناس إن غوانتانامو مثل منزل أمهات الزوجة، وإنه مكان جميل. إذا أخبرتهم بحقيقة الأوضاع هناك، فإن ذلك سيزيد من قلق ومعاناة أقارب السجناء الباقين، لا يمكنني الكشف عن الأوضاع الحقيقية للحياة في غوانتانامو."

Image caption شارك عزة الله نصرتيار في الحرب ضد الاتحاد السوفيتي السابق

وتختلف تجربة غوانتانامو من سجين لآخر.

يعيش من يطلق عليهم "السجناء المطيعون"، الذين يلتزمون بالقواعد، مع سجناء آخرين على نحو مشترك ويمكنهم الاجتماع مع سجناء آخرين من نفس اتجاهاتهم ويكون متاح لهم التعلم والقراءة.

وقال حاجي غالب إن "الناس هناك لا يضيعون أوقاتهم. الذكرى الطيبة الوحيدة التي احتفظ بها من غوانتانامو هي أنني تعلمت القرآن والكتابة، واكتسبت أيضا تجربة مختلفة."

وقال عزة الله نصرتيار "حفظت القرآن هناك وتعلمت العديد من الأدعية الجديدة التي أرددها حاليا بانتظام."

قضا الرجلان أربع سنوات ونصف في غوانتانامو.

لكن حاجي روح الله، وهو أحد شيوخ القبائل من شرقي أفغانستان، يرسم صورة أشد قسوة.

وقال إن "غوانتانامو لا يحرم (المرء) من حرية التنقل فقط، بل إنه يسلب (المعتقلين) جميع الحقوق الأخرى، حتى الكلام كان محظورا. لم يسمح حتى لنا بتحريك شفاهنا خلال قراءة كتاب أو تلاوة القرآن، كان الحراس سيعاقبوننا لأنهم سيعتقدون أننا نتحدث لسجناء آخرين."

قال جميع السجناء السابقين تقريبا ممن تحدثت إليهم إنهم لم يتوقعوا أن يعودوا من هناك أحياء، وشبّه العديد منهم تجربة غوانتانامو بالموت، وإطلاق سراحهم بالمولد الجديد.

وقال مولانا عبد الرازق، وهو وزير سابق في حكومة طالبان قضى في السجن خمس سنوات بعد إلقاء القبض عليه في أبريل/ نيسان عام 2002، أربعة منها في غوانتانامو، إنه "حينما نقلنا من غوانتانامو (إلى أفغانستان)، كان الأمر أشبه بالعودة للحياة بعد الموت."

وأضاف "حينما كنا في غوانتانامو، لم يكن لدينا أي معرفة بالعالم الخارجي، كانت معظم الخطابات التي نتبادلها مع عائلاتنا تتعرض للرقابة والمنع من جانب الأمريكيين، كنا قلقين على عائلاتنا....الفرق كان أشبه بالخروج من القبر."

ورأى عزة الله أن تجربة غوانتانامو غيرّت من منظوره للحياة.

وقال "هذا السجن منحني الكثير من الأمور الجيدة. لم أكن أبدا شاكرا بشكل كاف لنعم الله علينا، لم أكن لأشكر الله على حرية الخروج في الشمس أو الظل بكامل إرادتي أو الذهاب لدورة المياه حينما أريد."

وأضاف "لكن حينما كنا في أيدي أشخاص آخرين، أدركنا أن الله منحنا الكثير من النعم، حينها فقط أدركنا ميزة الحرية."

لكن بالرغم من فرحة العودة للوطن، فإن تجربة التعافي بعد فقدان أربع أو خمس سنوات كانت غالبا مريرة.

Image caption مولانا عبد الرازق هو وزير سابق في حكومة طالبان قضى أربع سنوات في غوانتانامو

وقال شاهزادة خان "ذهبت لأرى مزارع العنب التي أملكها بعد إطلاق سراحي، واكتشفت أن نحو خمسة آلاف من أشجار العنب قد جفت، وهذه هي الذكرى التي تلازمني في أغلب الأوقات."

وأضاف "لم يستطع أبنائي الاعتناء بها في غيابي، كان هذا هو اليوم الذي أدركت فيه أنني كنت مسجونا حقا."

بعض السجناء السابقين فقدوا سبل عيشهم ووظائفهم.

وقال حاجي غالب مسؤول الشرطة المحلي السابق إنه "الحكومة لن توظفنا ولا أي شخص آخر، وأنا لا أجد عملا منذ عودتي للوطن. حتى وبعد أن ثبتت براءتنا، لماذا لا يساعدوننا؟"

ورغم الإفراج عن هؤلاء المعتقلين بدون تهمة، فإن العديد منهم يقولون إنهم لا يزالون يتعرضون لمضايقات من جانب القوات الأمريكية وقوات الأمن الأفغانية، الذين يشتبهون في أن بعضهم له صلات محتملة بالمتمردين.

قتل عدد قليل من سجناء سابقين في غارات معظمها نفذتها قوات أمريكية، وأعيد اعتقال البعض وسجنوا في أفغانستان واتهموا "بالتورط في أنشطة تخريبية".

وخوفا من مواجهة هذا المصير، تجمع نحو 90 من السجناء السابقين عام 2012 وشكلوا "رابطة سجناء غوانتانامو االسابقين من أفغانستان".

وقال رئيس الرابطة حاجي روح الله وكيل "تجمعنا في هذا الكيان من أجل دعم بعضنا البعض وحماية حقوقنا."

وأضاف "التقينا بالرئيس (الأفغاني حامد) كرزاي وقادة (حلف شمال الأطلسي) الناتو والمسؤولين الأمريكيين في كابول لمناقشة مشاكلنا وطمأنتهم بأننا لا نشكل خطرا."

لكن مجرد وجود غوانتانامو لا يزال يشكل تهديدا، حيث أن طالبان تستطيع أن تستغل هذا في تجنيد وتحريض المقاتلين.

Image caption نظمت احتجاجات كثيرة للمطالبة بإغلاق غوانتانامو

وكتب شاب معتقل من طالبان خطابا لوالدته يحوي هذا النشيد "إنني معتقل في سجن كوبا، ولا يمكنني أن أنام ليلا أو نهارا يا أمي".

يصف هذا الشاب الأفغاني مصاعب الحياة في غوانتانامو، ويخبر والدته بأنه لا يوجد أمل في رؤيته حيا.

يجب على الأمريكيين دراسة هذا التهديد في مواجهة مخاطر إطلاق سراح أشخاص يحتمل أنهم يشكلون خطورة.

لا يزال هناك نحو 155 معتقلا في غوانتانامو، بعد أن كان عددهم قريبا من 800 معتقل.

وقال الأدميرال ريتشارد باتلر، قائد القوة المشتركة التي تشرف على سجن غوانتانامو العسكري، إن "المعتقلين الذين نقلوا هنا ألقي القبض عليهم في ساحة المعركة."

وأضاف "بمجرد أن تقرر القيادة إنه لا يوجد داعي لاحتجازهم لهذا السبب، حينها سنقوم بنقلهم، لكن إلى أن يحدث ذلك، فإنني لن أحكم على إدانة أو براءة المعتقلين."

عاد حاجي غالب بالفعل إلى أفغانستان، ولأسرته. لكن في ظل عدم وجود وظيفة، والعيش في شقة شديدة البرودة في كابول، فإن حياته أصبحت أسوأ بشكل كبير.

وقال "أبلغني اثنان من الأمريكيين بأن حكومتنا الأمريكية تعتذر لك لأنك قضيت خمس سنوات هنا، لكن ثبتت براءتك."

وأضاف "قلت لهم، لا يمكن أن أسامحكم داخل قلبي."

المزيد حول هذه القصة