جنوب افريقيا: وطن تتنافس فيه الحقائق

مصدر الصورة AFP
Image caption تجسد قضية بيستوريوس مثالا لعدد من المتناقضات في دولة لها ماض رائع وحاضر عنيف

هذا البلد يمكن أن يكون محيرا.

اسلك مخرجا من الطريق الرئيسي شمال جوهانسبيرغ إلى بريتوريا وستعتقد أنك في وسط مدينة جنيف السويسرية. اسلك المخرج التالي وستجد نفسك في منطقة أشبه بمدينة كينشاسا الكينية.

إنهما عالمان مختلفان في دولة تشتهر بعدم المساواة.

وكما شاهدنا الأسبوع الماضي، فإن الفوارق الحادة - في الثروة والبنية التحتية والسلوك - يمكن أن توجد في كل ركن تقريبا في جنوب افريقيا، وحتى مظاهر التقشف المحيطة بالقاضية توكوزايل ماسيبا داخل إحدى قاعات محكمة بريتوريا العليا.

وكما هو حال العديد من الأمور في مرحلة ما بعد نظام الفصل العنصري، من السهل والمغري النظر إلى الفوارق في البلاد من خلال عدسة عنصرية.

وظائف ثانوية

في قاعة المحكمة يجلس الرياضي الثري الأبيض، أوسكار بيستوريوس، مع فريق دفاعه من ذوي البشرة البيضاء. ثم تدخل مجموعة من الشهود - كلهم من البيض باستثناء حارس أمن - يبدو أنهم ينتمون لطبقة تتمتع بالرفاهية.

ويتحدث أحد جيران بيستوريوس عن مدبرة منزل، من المحتمل أنها سمراء، لكنه يشير إليها عرضا بوصف "خادمة".

مصدر الصورة AP
Image caption تمثل القاضية ماسيبا رمزا لمحاولات جنوب افريقيا إحداث تحول في النظام القضائي

وخلف عائلتي المتهم والضحية هناك ممثلون لوسائل إعلام عالمية، يعملون على شرح هذه القصة الدرامية التي ربما لم تكن لتشغل وسائل الإعلام إن كان الأطراف في تلك القضية من أصحاب البشرة الداكنة أو من الطبقة الفقيرة.

وباستثناء القاضية نفسها، فإن معظم موظفي المحكمة السود يبدو أنهم يضطلعون بمهام ثانوية كحراس الأمن والمترجمين وعدد قليل من الإداريين، إلى جانب العاملين في المقهى.

وبعد مرور عشرين عاما على حلول الديمقراطية في جنوب افريقيا، مازال التحول لم يكتمل.

إهمال

لكن قضايا العنصرية لا تعتبر سوى جزء من القصة.

ففي هذا الأسبوع، شهدت قاعة المحكمة ظهور زاوية أخرى في القضية من شأنها أن تزيد الأمور توضيحا، وذلك مع تسليط الضوء على أسلوب الشرطة الكارثي في التعامل مع مسرح الجريمة في منزل بيستوريوس.

فقد كان أسلوب المعاينة عجيبا. وأثناء الاستجواب، أظهرت الشرطة قدرة ثابتة على إدانة نفسها، حيث تم التعامل بأسلوب سيء مع الأدلة، حتى أن بعض الأشياء سرقت.

مصدر الصورة AFP
Image caption اعترف أوسكار بإطلاق النار على صديقته ريفا قائلا إنه كان يعتقد أنها شخص تسلل إلى بيته

ويعد هذا أمرا عرضيا في دولة يفتقر موظفو الدولة بها إلى التدريب والموارد، بالإضافة إلى كثرة أعباء العمل. وأخبرني أحد المحامين خارج قاعة المحكمة أن هناك تقارير متراكمة منذ خمس سنوات تتسبب في عرقلة آلاف القضايا ومن بينها تلك التي تتعلق بالقيادة تحت تأثير الكحول.

وقال ماني ويتز، المحامي عن دارين فريسكو أحد أصدقاء الضحية في تلك القضية ريفا ستينكامب إن "الأمر لا يتعلق بعدم جدارة العاملين، فهم يتفانون في أداء عملهم، إلا أنهم يعانون من قلة في الموارد والخبرات إلى جانب النقص في التدريب لأداء تلك الأعمال."

وعلى مقربة من المدعي العام وشهوده من الشرطة، يجلس بعض أفضل الخبراء العالميين في مجال الطب الشرعي والمقذوفات ضمن فريق الدفاع عن بيستوريوس. وكان هؤلاء يعملون في السابق مع السلطات في جنوب أفريقيا قبل أن يتجهوا للعمل في القطاع الخاص.

وطوال أعوام، ظل أوسكار بيستوريوس نفسه مثالا للعديد من المتناقضات في دولة مازالت تصارع ماضيها الرائع وحاضرها العنيف وغير المتوقع.

لكن بالنسبة لي ينبغي أن نركز على القاضية ماسيبا. فهي شخصية مثيرة للإعجاب، استفادت من محاولات جنوب افريقيا لإحداث تحول في مسار النظام القضائي.

ومهمتها الشاقة الآن ليست فحص الأدلة المتاحة أمامها، بل اجتياز العوالم الممثلة داخل قاعة المحكمة - ما بين الشرطة قليلة الموارد والخبراء باهظي الأجر - والعثور على طريق الحقيقة، ليس بشأن بيستوريوس فقط وإنما بشأن متناقضات الواقع في جنوب افريقيا.

المزيد حول هذه القصة