القرم: أول رئيس لشبه الجزيرة مستمتع بمصيرها الحالي

فرز اصوات الناخبين في استفتاء القرم مصدر الصورة RIA Novosti
Image caption سكان القرم وافقوا على الانضمام لروسيا بأغلبية ساحقة في الاستفتاء الأخير

كشفت نتائج الاستفتاء المثير للجدل في شبة جزيرة القرم عن رغبة في ترك أوكرانيا والانضمام إلى روسيا.

لكن تلك النتائج جاءت متأخرة 23 عاما بالنسبة إلى الرجل الذي كان رئيسا للقرم لمدة قصيرة وهو "يوري ميشكوف".

عندما أنهيت مقابلتي مع يوري ميشكوف، أستاذ القانون، قال لي :"كانت أسئلة جيدة جدا، أعتقد حقا أنك يجب أن تكون دبلوماسيا، ماذا عن أن تتولى منصب القنصل البريطاني في القرم؟"

ربما كانت مزحة، بل بالتأكيد كانت مزحة، لكن الأهم أنها جاءت من ميشكوف، أول رئيس للقرم، بل رئيسها الوحيد حتى الآن.

لقد انتخب سكان القرم أستاذ القانون عام 1994 رئيسا بأغلبية كبيرة، بفضل برنامجه الذي دعا إلى إعادة توحيد شبة الجزيرة الأوكرانية مع روسيا.

ومثل العاشق المتلهف، صعد ميشكوف آنذاك إلى طائرة متوجهة إلى موسكو، لكن مقترحاته قوبلت بالرفض من جانب بوريس يلتسين، رئيس روسيا في ذلك الوقت.

وكان الرئيس الروسي مهتما جدا ببناء علاقة مع الغرب، أكثر من اهتمامه بإثارة مشاكل قد تجلبها عملية ضم القرم إلى بلاده، فالزمن كان مختلفا في ذلك الوقت.

بالنسبة إلى السيد ميشكوف، فإن اسم يلتسين شيء سيء (بمنزلة الوحل الذي يعلق فيه المرء)، لذلك كان يستخدم أول حرف من اسمه "واي" في الإشارة إليه، مقارنا بين ما فعله وبين ما يقوم به الآن الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، الذي وصفه بـ "ضابط شريف".

Image caption أوكرانيا عزلت رئيس القرم السابق يوري ميشكوف عام 1995 لمطالبته بالعودة لروسيا

جرت المقابلة في حجرة خاصة صغيرة بمطعم يعقع في أحد ضواحي عاصمة القرم وهي سيمفروبول.

زُيِّنت ثلاثة من حوائط الحجرة برسم يبرز البحر الأزرق الصافي الممتد تحت سماء زرقاء، وفي الخلفية منظر طبيعي يحتوي على كل شيء من شجر الحور المتمايل، وحتى طاحونة في وضع غريب.

مشهد الوطن

لكن المشهد السياسي الجديد في القرم، والذي تملأه صورة رجال مقنعين يرتدون زيا عسكريا وقوات دفاع ذاتي صارمة ومضطربة، أثار خياله، ودفعه للعودة إلى المكان الذي حكمه ذات يوم.

في عام 2011 منعت أوكرانيا رئيس القرم السابق من دخول البلاد لمدة خمس سنوات، لدعمه النزعات الانفصالية.

لكن وصول القوات الروسية وحالة الارتباك في القرم وفرت له الغطاء الذي يتيح له العودة إلى هناك.

أصبح واضحا عندما كان يتحدث عن تجاربه أن الذي حصل في القرم انطوى على مفارقة في مصير شبه الجزيرة.

ففي الوقت الذي كان الجنود الروس يسيرون دوريات في الشارع بملابسهم غير المميزة ويسيرون دوريات في الشارع، كان ميشكوف يرتشف فنجانا من القهوة السوداء القوية، ويستدعي ذكريات عزله من الحكم على يد القوات الأوكرانية عام 1995.

فبعد عام واحد من انتخابه، قررت السلطات في كييف إنهاء آماله السياسية، من خلال تمرير دستور جديد نص على إلغاء منصب رئيس القرم.

ولم يذهب ميشكوف إلى أي مكان على الفور وبدأ اعتصاما انتهى في نهاية المطاف في 16 مارس من ذلك العام.

واليوم وبعد 19 عاما، أتاح الاستفتاء المثير للجدل ذريعة ليحول أحلامه بإعادة الاتحاد مع روسيا إلى واقع معيش.

وعندما سألته عن أوجه القصور في التصويت على الاستفتاء، هون من حجمها وهز كتفيه.

لكن ماذا عن الأرقام الرسمية التي أظهرت أن أكثر من 100 في المئة من الناخبين المسجلين في مدينة سيفاستوبول شاركوا في الاستفتاء؟

أجاب ميشكوف :"نعم ربما تكون هناك مشكلة إدارية او اثنتين، سوء تقدير هنا أو هناك، لكن هذا لا يغير النتيجة الكبيرة، يمكنك شراء ذمم الناس ودفعهم للاحتجاج، لكن لا يمكنك شراء السعادة لهذه المنطقة بأسرها."

العودة للحكم

وعلى الرغم من أن الرئيس السابق تهرب بمهارة من سؤالي له، حول ما إذا كان يرغب في فترة رئاسية ثانية، فإنني كان لدي انطباع أنه لم يكن ليقول "لا".

وفي الحقيقة، مثلما ذكرني، أنه إذا كانت غالبية سكان القرم فضلوا الاختيار الثاني في الاستفتاء، وهو العودة إلى دستور أوكرانيا عام 1992، فإنه كان سينصب رئيسا للقرم فورا.

لكن هذا لم يكن، فالنتائج أظهرت أن 97 في المئة من الناخبين فضلوا الاختيار البسيط: "أن يصبحوا جزءا من روسيا."

وأضاف ميشكوف قائلا إن الرجل الذي كافح على مدى عقدين من الزمن ونجا من محاولات اغتيال كما ادعى هو شاهد على ما حدث ومجرد ذكرى غير مهمة من تاريخ المنطقة.

وتركته مع المشهد الذي يتخيله، واختفى مع آماله بأن يصبح رئيسا للقرم، وآمالي أنا بأن أصبح قنصلا لبريطانيا، ولو ليوم واحد.

وفي اليوم التالي للقائنا، وقع الرئيس بوتين معاهدة مع قادة القرم الحاليين، على الرغم من أنهم تنقصهم الشرعية التي حصل عليها يوما ما السيد ميشكوف.

المزيد حول هذه القصة