رؤية: استراتيجية روسيا تجاه أوكرانيا تقضي على حلم أوروبي

صورة للعلم السوفييتي الأحمر مصدر الصورة AFP
Image caption "ستسعى روسيا لتحويل أوكرانيا إلى دولة فيدرالية في الفترة المقبلة لتعزيز قبضتها"

تضع روسيا نصب عينيها أهدافا أكبر من أوكرانيا - إذ تريد تمزيق الحدود الإقليمية القائمة في أوروبا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، حسبما يقول جوناثان إيال من المعهد الملكي للخدمات المتحدة.

وكان أهم موضوع طرح للنقاش في اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (ناتو) الثلاثاء هو احتمال دخول القوات الروسية، المتمركزة حاليا على حدود أوكرانيا، إلى المقاطعات الشرقية المختلطة عرقيا في أوكرانيا.

وكان هذا اللقاء هو الأول من نوعه منذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم.

وغالبا ما ستتجنب روسيا احتلال المزيد من أراضي أوكرانيا، ولكن تهديدها الأمني للقارة الأوروبية لا يزال كبيرا وممنهجا، ومن المتوقع أن يستمر لعدة سنوات قادمة.

وهناك عدد من الأسباب القوية التي تشير إلى أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لن يرسل قواته إلى شرق أوكرانيا.

أولها أنه على الرغم من أن عدد كبير من الروس يسكنون المنطقة إلا أن الكثير من الأوكرانيين سيقاومون الاحتلال الروسي. لذا فعلى عكس الاستحواذ السريع وغير الدموي على القرم ستتورط القوات الروسية في قتال عنيف حال احتلال شرقي أوكرانيا.

كما أن مساحة شرقي أوكرانيا أكبر بكثير، مما سيتطلب قوة كبيرة للسيطرة عليها. وعلى عكس القرم لا توجد حدود جغرافية واضحة للمنطقة، ولذا سيواجه الروس خطر التورط في مغامرة عسكرية كبرى بدون "استراتيجية انسحاب" سريعة.

ولكن هناك سببا أهم سيحول دون إرسال بوتين قواته إلى أوكرانيا، وهو أن لديه وسائل أخرى لتحقيق أهدافه.

ويعلم بوتين أنه سيحتفظ بشبه جزيرة القرم، وأنه لا توجد حكومة غربية، على الأرجح، قادرة على الدخول في مواجهة بشأنها. فلم يتم الإشارة إلى القرم في البيان الصادر عقب لقاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف في باريس الأحد.

تحويل أوكرانيا إلى دولة فيدرالية

وستكون مهمة روسيا العاجلة هي محاولة منع أوكرانيا من الانضمام لمؤسسات غربية اقتصادية وأمنية مثل الاتحاد الأوروبي أو الناتو، من أجل الابقاء عليها في "منطقة عازلة" دون الانتماء للغرب أو الشرق.

ومن الممكن تحقيق ذلك من خلال إقناع الغرب بالموافقة على ما تطلق عليه موسكو اسم "التحول الفيدرالي" لأوكرانيا.

وتتزايد مطالبات روسيا بتحويل أوكرانيا إلى دولة فيدرالية، ويشمل ذلك اقتراحا بأن يكون لمقاطعات أوكرانيا رأي يؤخذ به ليس فقط في شؤون البلاد الداخلية ولكن أيضا في ما يتعلق بـ"توجهات السياسة الخارجية لأوكرانيا"، وهو ما تقصد به موسكو أن الروس في أوكرانيا سيكونوا قادرين على منع التوجه الموالي للغرب في البلاد.

وإن لم تنجح هذه الاستراتيجية ستلجأ موسكو إلى تشجيع ذوي الأصول الروسية في أوكرانيا على إعلان انفصالهم عن الدولة الأوكرانية.

ويعتقد بوتين اليوم أنه يملك أدوات تقويض أوكرانيا بدون إطلاق رصاصة واحدة.

مصدر الصورة Reuters
Image caption استبدل سكان في القرم جوازات سفرهم الأوكرانية بأخرى روسية

وأشارت موسكو إلى عزمها على تطبيق نفس النهج على مناطق أخرى في أوروبا يسكنها روس، مثل ترانسنيستريا التي كانت تابعة لجمهورية مولدوفا السوفيتية السابقة، وأيضا دول البلطيق.

وكان معظم الروس هناك قد منحوا جوازات سفر أو وثائق هوية روسية في محاولة لتعزيز مزاعم موسكو في حقها للحديث بالنيابة عنهم.

والهدف واضح من هذه الاستراتيجية الكبرى وهو تمزيق الوضع الجغرافي القائم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991، وهو الوضع الذي تعتبره روسيا غير عادل ويصعب تحمله.

ولا يتطلب ذلك احتلال الجمهوريات السوفيتية، بل يمكن تحقيقه عن طريق تقويض الدول المحورية من الداخل.

تحدي الناتو

ولكن الناتو غير مجهز للتعامل مع تحديات داخلية على هذه الشاكلة كونه تحالفا عسكريا مدرب على مواجهة الاعتداءات الخارجية.

وسيتوجب على الناتو في الأيام المقبلة بذل جهد أكبر عبر إقامة تدريبات عسكرية خاصة في دول البلطيق الصغيرة من أجل طمأنتها وأعضاء الناتو بأن الضمان العسكري من جهة التحالف ما يزال قائما.

ويجب أن تدرك روسيا أن رد فعل التحالف سيكون سريعا وقد يشمل تحركا عسكريا حال محاولتها التدخل في إحدى الدول الأعضاء.

وقد تنجح أوكرانيا الممزقة في على الحفاظ على استقلالها.

لكن الأحداث التي شهدتها الأسابيع الأخيرة ليست مجرد نقطة عابرة في العلاقات الشرقية الغربية، ولكنها تحدد نهاية عصر، ونهاية أمل غربي في إمكانية انسجام روسيا في اتحاد وسلام مع القارة الأوروبية.

ربما يدخل المؤرخون في جدل حول من المتسبب في هذا التطور، ولكن اليوم لا خيار لدى السياسيين في الغرب إلا التعامل مع الواقع الجديد الذي فرضه بوتين وهو أن المستقبل سيشهد مزيدا من المواجهة بين الشرق والغرب.

المزيد حول هذه القصة