أزمة فتيات نيجيريا: كيف يمكن التفاوض مع بوكو حرام؟

مصدر الصورة AFP
Image caption يرى خبراء أن أول شيء ينبغي القيام به هو التأكد من وجود دليل على أن المختطفين "على قيد الحياة"

هل من الممكن والضروري التوصل لاتفاق مع حركة بوكو حرام المسلحة شمالي نيجيريا من أجل إطلاق سراح أكثر من 200 طالبة اختطفتهن الحركة في إبريل/نيسان الماضي.

أعلن زعيم الحركة في بادئ الأمر أنه سيبيع الفتيات "كعبيد"، وبعدها عرض مبادلتهن بمسلحين محتجزين في سجون الحكومة النيجيرية.

كان الرد النيجيري ملتبسا، إذ استبعد الرئيس غودلاك جوناثان إطلاق سراح سجناء الحركة، بينما تحدث أحد الوزراء عن إمكانية التفاوض معها، وقالت الحكومة الأسبوع الماضي إن "جميع الخيارات مطروحة على الطاولة".

والسؤال هنا: كيف يمكن التفاوض مع حركة أصولية شديدة التسليح والبأس في غرب إفريقيا مثل بوكو حرام؟

رباطة الجأش

يرى أحد الخبراء المتخصصين في المفاوضات في حالات الاختطاف واحتجاز الرهائن أن أول شيء ينبغي القيام به هو التأكد من وجود دليل على أن المختطفين "على قيد الحياة".

كان التسجيل المصور الذي بثته بوكو حرام على الانترنت هذا الأسبوع ويظهر نحو 130 من الفتيات المخطوفات وهن يرتدين الحجاب دليلا على أنهن على قيد الحياة، لكنه لم يشر إلى مكانهن ومتى تم تصويرهن.

ولم يوضح التسجيل المصور ماذا حدث للفتيات اللائي ظهرن فيه، أو عشرات المحتجزات الأخريات اللائي لم يظهرن.

شاركت شركة "تيرا فيرما" البريطانية المتخصصة في استشارات المخاطر في مفاوضات مطولة لإطلاق سراح رهائن في نيجيريا بالنيابة عن شركات تجارية.

مصدر الصورة AFP
Image caption أرسلت حكومة الرئيس غودلاك جوناثان رسائل متضاربة بشأن التعامل مع أزمة اختطاف الفتيات

وبحسب مدير تنفيذي بالشركة طلب عدم الكشف عن هويته، فإن الخطوة التالية الأكثر أهمية هي التحقق من وجود "دليل على الملكية"، أي التأكد تماما من أن الأشخاص الذين يجري التفاوض معهم هم بالفعل من يحتجزون الرهائن.

وفي هذا العالم الغامض من الاختطاف وطلب الفدية، يظهر الكثير من الناس الذين يسعون لتحقيق بعض المكاسب المادية بتقديم أنفسهم كوسطاء "لهم علاقات" قوية مع الخاطفين.

أما القاعدة الثالثة المهمة فتمثل في ضرورة أن يحافظ المفاوضون على رباطة جأشهم.

ويقول أحد الخبراء إن "الخاطفين غالبا ما يظهرون أنهم يفقدون أعصابهم، أو على الأقل يزعمون ذلك للضغط عليك من أجل الرضوخ لمطالبهم، لكن يجب عليك ألا تفقد أعصابك مطلقا خشية أن تدفعهم لاتخاذ إجراء عنيف".

إذن، كيف يمكن للمفاوضات أن تكون فاعلة من الناحية العملية؟

يقول خبير المفاوضات من تيرا فيرما إن "شمال نيجيريا على وجه الخصوص منطقة صعبة (من الناحية الجغرافية)، وتحرص حركة بوكو حرام (وجماعة) أنصارو المنبثقة عنها على انتقاء أهدافهما بعناية شديدة، ولديهما إمكانية كبيرة جدا للحصول على الأسلحة".

ويضع هذا على الأرجح عراقيل شديدة أمام معظم المفاوضين للالتقاء مع مسلحي بوكو حرام وجها لوجه، حتى إذا وافقت الحركة على ذلك.

بناء الثقة

مصدر الصورة AP
Image caption التفاوض مع بوكو حرام لإطلاق سراح الفتيات ينطوي على ثمن باهظ

زعماء الدين المحليون، الذين يستعان بهم في أغلب الأحيان للمساعدة في تسوية أزمات مماثلة في دول أخرى، قد لا يكونون بالضرورة خيارا مناسبا هنا، إذ أن بوكو حرام لا تثق بهم وتتهمهم بأنهم "باعوا ضمائرهم" للسلطات النيجيرية.

وفي أكثر الأحيان، يكون التواصل مع الخاطفين عن طريق الهاتف. وتقول شركة تيرا فيرما إن خاطفي الرهائن في معظم الحالات يتحدثون عبر الهاتف وهم على مسافة من الرهائن حتى لا يكشفون عن مكانهم دون قصد.

لكن إذا بدأت المفاوضات بالفعل مع بوكو حرام، فمن سيجريها على الجانب الآخر؟

يضم الفريق الاستشاري الأمريكي الموجود حاليا في العاصمة النيجيرية أبوجا 16 متخصصا من وزارة الدفاع يتمتعون بخبرة في الاتصالات ومكافحة الإرهاب.

ودفع مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) بمفاوضين متخصصين في أزمات اختطاف الرهائن، وهذا لا يعني أنهم سيجرون أي مفاوضات، لكنهم سيقدمون فقط نصائح سرية من وراء الستار.

وبسبب النفور الشديد المتبادل بين حركة بوكو حرام وحكومة الرئيس غودلاك جوناثان فإن إجراء مفاوضات مباشرة بينهما لن يؤت بثمار على الأرجح.

وأحد الخيارات الممكنة تتمثل في الاستعانة بمفاوض من دول الجوار مثل الكاميرون أو النيجر أو حتى دول على مسافة أبعد مثل تركيا أو قطر.

مصدر الصورة AP
Image caption ضابط سابق في قوة "ساس" البريطانية: هناك أوجه تشابه بين أزمة الفتيات وعملية باراس في سيراليون"

دفع فدية؟

لكن التفاوض مع بوكو حرام سينطوي على ثمن باهظ، إذ أن الحركة تريد تنازلات جوهرية، وهو ما ترفضه الحكومة النيجيرية بشدة.

وتطالب كلا من الحكومة الأمريكية والأمم المتحدة الحكومات بشكل حثيث بعدم دفع أي فدى لجماعات توصف بأنها إرهابية.

وقد أدرجت الولايات المتحدة حركة بوكو حرام على قائمة "التنظيمات الإرهابية الأجنبية" العام الماضي بعد عامين من تنفيذها هجوما انتحاريا على مبنى الأمم المتحدة في أبوجا.

وإذا استبعدت إمكانية المفاوضات، فسيتم حتما التفكير في إمكانية شن عملية إنقاذ عسكرية، لكن هذا الأمر تحيط به مشاكل عديدة.

فأولا، عدد الفتيات المخطوفات كبير، يتجاوز 200 طالبة. ويعتقد أنه تم تقسيمهن على مجموعات صغيرة على مساحة واسعة ويخضعون لحراسة من جانب مسلحين مدججين بالسلاح، والذين لن يترددوا كثيرا في قتلهن إذا حاولن الهرب على ما يبدو.

عملية إنقاذ معقدة

كانت باراس عملية ناجحة نفذتها القوات الخاصة عام 2000 لإنقاذ عدد من الجنود البريطانيين الذين اختطفهم متمردو جماعة وست سايد بويز.

وقال الضابط السابق في قوة "ساس" إن التضاريس التي تغطيها الأشجار في سيراليون كانت تشبه مناطق شمالي نيجيريا، وهو ما جعل من الصعب الاقتراب منها دون تمشيطها، وجعل من الصعب أيضا نشر معدات مراقبة فنية بها.

وأضاف بأن "أي عملية لإنقاذ الفتيات بالقوة يجب أن تنفذ بشكل متزامن في العديد من الأماكن، وإلا سيشعر المسلحون بالذعر ويعدمون الرهائن".

واعتبر أن هذا النوع من عمليات إنقاذ الرهائن "معقد بصورة كبيرة للغاية، ولا تتوافر بعد إمكانات متطورة للنيجيريين في هذه المنطقة".

مصدر الصورة AFP
Image caption يضم الفريق الاستشاري الأمريكي 16 متخصصا لهم خبرة في الاتصالات ومكافحة الإرهاب

الخيارات الحالية

وفي ظل الوضع الحالي لهذه الأزمة، وما لم تقلل بوكو حرام من سقف مطالبها، فإن هذه الأزمة ستضع الحكومة النيجيرية أمام ثلاث خيارات غير مرغوب فيها وغير مرضية.

أولا: إما أن ترضخ لمطالب بوكو حرام وتفرج عن رجال خطرين من السجن لينضموا إلى صفوف الحركة مرة أخرى وينفذون على الأرجح المزيد من الهجمات، وهذا سينظر إليه كثيرون على أنه استسلام من جانب الحكومة وإشارة واضحة على ضعفها.

ثانيا: أن تنفذ الحكومة عملية عسكرية، والتي لا يتوافر لها ضمانات للنجاح وتنطوي على خطورة كبيرة بالتسبب في حمام دم.

ثالثا: أن تؤجل الحكومة اتخاذ أي إجراء على أمل أن يتحول انتباه العالم بعيدا عن هذه الأزمة، ومن ثم تجاهل القضية، وترك الفتيات لمصيرهن أو التوصل لاتفاق سري مع الخاطفين.

المزيد حول هذه القصة