البابا فرنسيس يخطو بحذر في زيارته للشرق الأوسط

البابا فرنسيس مصدر الصورة AFP
Image caption يزور البابا فرنسيس الأردن والأراضي الفلسطينية وإسرائيل بين 24 و26 مايو/ آيار الجاري

يغادر البابا فرنسيس روما يوم السبت في أول زيارة له إلى الشرق الأوسط منذ تنصيبه حبرا أعظم، وعلى نحو أدق إلى الأراضي التي تعتبر مقدسة ليس فقط في أعين مسيحيي العالم، ولكن أيضا لدى معتنقي الإسلام واليهودية.

وينوي بابا الفاتيكان زيارة ثلاثة بلاد هي الأردن، والأراضي الفلسطينية، وإسرائيل، مما يصنع إيقاعا جديدا للزيارة البابوية التي تستدعي حماسة رحلات الحج الأجنبية التي قام بها أسلافه الذين بدأوا بدورهم الرحلات البابوية في القرن العشرين.

ومن المتوقع أن يلقي البابا 13 خطابا، كلها باللغة الإيطالية، لكنها ستترجم إلى خمس لغات أخرى يستخدمها الفاتيكان هي: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والبرتغالية. كما ستتوفر ترجمة عربية في عمان وبيت لحم، وترجمة عبرية في القدس.

ولغة البابا فرنسيس الأم هي الإسبانية، لكنه يتحدث الإيطالية بطلاقة، ولا يستسيغ الحديث أو العمل بالإنجليزية.

أصدقاء قدامى

وسيكون البابا فرنسيس هو رابع بابا من كنيسة الروم الكاثوليك يزور القدس بعد البابا بولس السادس، والبابا يوحنا بولس الثاني، والبابا بندكت السادس عشر الذي قام بالزيارة في 2009.

ويصحب البابا فرنسيس ضمن وفد الفاتيكان صديقين قديمين من الأرجنتين هما حاخام يهودي وإمام مسلم كان يدير المركز الإسلامي في بوينس آيرس.

وكان البابا قد شارك في تأليف كتاب مع صديقه اليهودي، وتربطه علاقة قريبة مماثلة بزميله المسلم، عندما كان رئيسا للأساقفة في العاصمة الأرجنتينية.

وجهز البابا نفسه جيدا لزيارته الخارجية الثانية، مع إدراكه للأزمات السياسية والدينية التي تنتظره خلال رحلته، إذ يستطيع الالتفات لصديقيه من أجل نصيحة فورية.

إن السبب الرسمي وراء زيارة البابا هي إحياء الذكرى الخمسين للقاء التاريخي في القدس بين البابا بولس السادس والبطريرك أثيناغوراس، قائد الكنيسة الأرثوذكسية.

وكان هذا اللقاء قد وضع نهاية لـ 900 عام من الانفصال والخصومة بين الفرعين الشرقي والغربي للمسيحية. ورفع القائدين آنذاك قوانين الحرمان الكنسي المتبادلة.

وسيعقد البابا فرنسيس أربع مقابلات منفصلة على الأقل في القدس مع خليفة أثيناغوراس البطريرك بارثولميو الأول.

ورغم أنه غالبا لا يتوقع إعلان استعادة الشمل، إلا أن عقد البابا فرنسيس صلاة مشتركة مع البطريرك بارثولميو في كنيسة القيامة – وهي في مكان الصخرة التي يعتقد أن المسيح صلب عليها – سيكون حدثا بارزا.

ويأتي ذلك بعد قرار بارثولميو الجريء لدعوة الفاتيكان إلى حفل تنصيبه الرسمي العام الماضي، ومما يعني أن الجهود لإعادة تأسيس وحدة مسيحية تتصدر أولويات فرنسيس.

مصدر الصورة AP
Image caption البابا فرنسيس يقابل البطريرك بارثولميو الأول

هجرة مسيحية

لم تشهد القدس أو كنيسة القيامة مكانا يحمل اسم القديس فرنسيس، الذي يحمل اسمه البابا أيضا.

ولكنه وصل إلى عكا – التي تقع الآن في إسرائيل – عم 1219، مما وضع حجر الأساس لرهبنة الفرنسيسكان في الشرق الأوسط، واستمر – بشكل إعجازي – حتى اليوم.

وهناك 300 راهب من الفرنسيسكان، مفوضين من الفاتيكان، لحراسة وصيانة الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط.

ولكنهم خلعوا عنهم تراثهم المسيحي حتى أن قسيسا كاثوليكيا محليا قال إن الأراضي المقدسة تتحول إلى ما يشبه "ديزني لاند روحية"، إذ أنها مليئة بالمعالم السياحية الجاذبة ولكنها تفتقر للمعنى الديني بسبب رحيل كثير من السكان المسيحيين الأصليين.

وتمتد الهجرة المسيحية عبر مساحة واسعة من الشرق الأوسط، ليس فقط من الأراضي الفلسطينية.

وكانت الحرب قد قضت على اثنتين من أقدم المجموعات المسيحية في الشرق الأوسط: كاثوليك الكلدان في العراق والكاثوليك السوريين.

وكان المسيحيون يشكلون 85 في المئة من سكان القدس مع نهاية الانتداب البريطاني عام 1947. أما الآن فيشكلون 18 في المئة ويستمرون في النقصان بسبب زيادة معدل المواليد لدى المسلمين، والهجرة جراء الأوضاع الاقتصادية القاسية، بالإضافة إلى السياسات الاسرائيلية.

وفي القدس القديمة يقدر التواجد المسيحي بـ 1.5 في المئة.

ويتفاوض الفاتيكان – بدون نجاح حتى الآن – مع اسرائيل لأكثر من عشرين عاما، منذ تأسيس علاقات دبلوماسية مع الدولة اليهودية، حول الوضع القانوني والضريبي للأماكن المقدسة التي يعتبرها المسيحيون مهمة بالنسبة لهم.

ومن بين هذه الأماكن علية صهيون، وهي مكان تاريخي حيث يقال إن المسيح تناول فيه العشاء الأخير مع حوارييه ليلة صلبه.

ومن المتوقع أن يعقد البابا فرنسيس صلاة في الجزء المرتبط بالعشاء الأخير من المكان في آخر مرحلة من زيارته.

ولكن الوضع معقد بسبب أن المكان مقدس بالنسبة لليهود والمسلمين، إذ أن الملك داود مدفون هناك بينما يوجد مسجد على سطحه.

حرص

فما العقبات التي تعوق إذن أن تكون هناك علاقات أفضل بين الفاتيكان وإسرائيل؟

مصدر الصورة AFP
Image caption يهود متطرفون يستمعون إلى خطبة من حاخام في جبل صهيون، المكان الذي تناول فيه المسيح العشاء الاخير مع حوارييه

لا يزال الفاتيكان يركز على خيار الدولتين كحل للنزاع القائم بين فلسطين وإسرائيل، إضافة إلى تدويل مدينة القدس باسم الحرية الدينية.

أما الحكومة الإسرائيلية فيقل اهتمامها بفكرة الدولة الفلسطينية، وترى أن القدس ستظل جميعها "عاصمة أبدية" لإسرائيل. كما تبقى متشككة للغاية حيال تباطؤ الفاتيكان في فتح أرشيفاته من الحرب العالمية الثانية والتي تتعلق بسلوك البابا بيوس الثاني عشر آنذاك تجاه محرقة الهولوكوست.

وسيظهر التضارب بين مطالب السياسات المحلية والمطالب الدينية واضحا أمام البابا فرنسيس وهو يعمل على التحرك بحرص في ذلك الطريق المليء بالعقبات ما بين عمان وبيت لحم وتل أبيب والقدس.

كما أكد في تصريحاته للسياسة الخارجية خلال السنة الأولى من تنصيبه على قضية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

والآن، وبعد أن التقى بشكل مباشر بعدد من القيادات الدولية إلى جانب الأطراف الرئيسية في القضية، سيكون على البابا فرانسيس أن يقرر مدى الضغط الذي سيضعه على الطرفين من أجل عودتهما إلى محادثات السلام مرة أخرى، والتي كانت قد وصلت إلى طريق مسدود نهاية إبريل/نيسان الماضي.

المزيد حول هذه القصة