الحرب العالمية الأولى: نساء في بريطانيا حاربن على الجبهة الداخلية

مصدر الصورة TAMESIDE LOCAL STUDIES AND ARCHIVE CENTRE
Image caption مخاطر العمل في مصانع الذخيرة كانت كبيرة واثاره فادحة

بعيدا عن الخطوط الأمامية، كان العديد من ضحايا الحرب العالمية الأولى من النساء.

وجدت زوجات وصديقات وأمهات وشقيقات الجنود أنفسهن في وظائف محفوفة بمخاطر هائلة في مصانع الذخيرة التي كانت عرضة لحوادث مميتة.

ويدرك التلاميذ في مدرسة القديس بطرس الابتدائية في بلدة "اشتون اندرلين" في مانشستر الكبرى هذه القصص بشكل جيد والتي يعود تاريخها لقرن من الزمن، وهم يرددون نشيدا جماعيا مرة تلو الأخرى.

وينشد التلاميذ بعض الكلمات التي تقول "استمتعوا بحياتكم، لكن لا تنسوا الماضي".

تستعد الفرقة لأداء هذه المقطوعة الموسيقية التي تحمل عنوان "بلاست" والتي قام بتأليفها معلمهم مارك دربشير.

تروي أغنية "بلاست" قصة 46 شخصا معظمهم من النساء من السكان المحليين قتلوا في انفجار في مصنع لإنتاج مادة "تي ان تي" شديدة الانفجار عام 1917.

ففي الثالث عشر من يونيو/حزيران من هذا العام، اندلعت النيران في مصنع "هولي هيل رابر آند كيميكال وركس"، والذي يبعد أمتار عن صهريجين لتخزين الغاز، وانفجر في غضون دقائق.

وقال دربشير إن "أحد الأمور الجنونية هو أن الحكومة سمحت ببناء هذا المصنع لإنتاج مادة تي ان تي في وسط منطقة عمرانية بالقرب من مستودعين للغاز".

وأضاف أن "المبنى نفسه لم يكن مصمما كمصنع للذخيرة، لقد كان طاحونة في بادئ الأمر، وأحد المشاكل الرئيسية هي أن الأرضية كانت من الخشب، ووجود حمض النتريك (أحد مكونات تي ان تي) بالقرب من الأخشاب هو بشكل واضح أمر شديد الخطورة".

وتابع "لم تكن الحوائط على ارتفاع مناسب إلى المستويات المطلوبة، ولذا فإنه في حال اندلاع أي حريق كان ينتشر بسرعة كبيرة جدا.

وكان مالكو المصنع على دراية بذلك، وفعلوا كل ما في وسعهم لعمل هذه التعديلات لكن من غير المرجح أن أي تعديلات كانت قد توقف الكارثة.

مصدر الصورة IMPERIAL WAR MUSEUM
Image caption عملت آلاف النساء في مصانع للذخيرة في أنحاء انجلترا خلال الحرب العالمية الأولى

وانفجرت خمسة أطنان من مادة تي ان تي، واندلعت النيران في المصنع خلال دقائق، وأرسلت عربة لإطفاء النيران يجرها حصان، لكنها لم تفعل شيئا في إخمادها.

قتل سبعة أطفال من (مدرسة) القديس بطرس، بعضهم كان في طريقه من المدرسة إلى البيت.

وقال المؤرخ الان روس إنه قد أجريت "جنازة جماعية" واصطفت خارج مبنى البلدية "أكثر من 40 عربة من عربات نقل الموتى".

لكنه أقر بأنه بالرغم من وجود نصب يحيي ذكرى المتوفين، فإنه كانت هناك فترة طويلة "نسى" فيها السكان المحليون هذه الكارثة.

وقال إن الأحداث التي تقع بعيدا عن خطوط الجبهة "كانت لا يتذكرها الناس كثيرا".

وأوضح أن "معظم الضحايا كانوا بالطبع من النساء، ومعظم العاملين في المصنع كانوا نساء".

"أطفال الكناري"

مصدر الصورة PA
Image caption لم تشارك النساء بجهد كبير في الحرب إلا بعد انقضاء السنة الأولى من الصراع

وفي مكان آخر، كانت آلاف النساء والفتيات في محيط منطقة "وست يوركشير" يعملن في مصنع "بارنبو" بالقرب من ليدز حيث لقيت 37 امرأة حتفها في ثلاث تفجيرات منفصلة بين عامي 1916 و1918.

وشيدت حديقة في نهاية المطاف لتخليد ذكرى مأساة "فتيات بارنبو" بعد إخفاء تفاصيل وفاتهم سرا حتى انتهاء الحرب.

وبالنسبة لبعض النساء اللائي عملن في مصانع الذخيرة، فإن العمل على مقربة من مادة تي ان تي كان له أثر مروع على أطفالهن.

ولدت غلاديز سانغستر، وهي في أواخر التسعينات من عمرها حاليا، بينما كانت تعمل والدتها في مصنع الذخيرة الوطني رقم 9 بالقرب من بانبري في أكسفورد.

وقالت "ولدت حينما كانت الحرب لا تزال دائرة، وكانت بشرتي صفراء، وهذا هو السبب في أن أطلق علينا اسم أطفال الكناري. كل طفل تقريبا ولد ببشرة صفراء اللون، واختفت هذه (الظاهرة) تدريجيا، وقالت لي أمي بأن اعتبر هذا أمرا مفروغا منه".

وقال ديل جونستون مدير المناسبات والمعارض في متحف بانبري إن "والدة غلاديز كانت تعمل في المواد الكيميائية في المصنع. كان الكثير من الأشخاص يمكن أن يولد لديهم أطفال يعانون من (مرض) اليرقان، لكن هذا كان تغير في لون البشرة إلى الصفراء بسبب المواد الكيميائية".

تكررت هذه الحالات بتغير لون البشرة إلى الأصفر في مصانع أخرى في أنحاء البلاد، وفي بعض المصانع قدمت علاوات لبعض العاملين نظير عملهم في بيئة تتسم بالخطورة.

سمعة سيئة

مصدر الصورة TAMESIDE LOCAL STUDIES AND ARCHIVE CENTRE
Image caption أجريت جنازة جماعية لضحايا الانفجار الذي وقع في مصنع بلدة "اشتون اندر لين"

في مصنع "كينوك" في كورينغهام في مدينة إسيكس، كانت النساء تتجمع وتجهز العبوات الناسفة التي كانت ترسل بعد ذلك إلى مستودعات الذخيرة.

وقال جوناثان كاتون أمين متحف "ثوروك" إن أقلية من العاملات كن عاهرات اخترن أن يعملن في وظيفة بدلا من الذهاب للسجن.

وأضاف "النساء سيئات السمعة اللائي وجدن أنفسهن أمام المحاكم منحن هذه الفرصة إمام للعمل من أجل بلدهن، أو السجن".

وتابع "في ثوروك، تزايد البغاء لأن الكثير من الجنود كانوا يقيمون في الثكنات القريبة، وأفادت مزاعم بأن القضاة كانوا يمنحون النساء خيار الذهاب للعمل في هذه المصانع".

وكانت معظم العاملات البالغ عددهن أربعة آلاف يشعرن بالفخر لدورهن في الجهد الحربي، فلا يوجد أي شك في أنهن كن يواجهن مخاطر قد تعادل الوجود على الجبهة.

وقال كاتون "بعض هؤلاء النساء حصلن على علاوات إضافية لأنهن كن يعملون في أكثر أقسام المصنع خطورة، لقد كانت على الأرجح أشد خطورة من إطلاق النار".

المزيد حول هذه القصة