الحرب العالمية الأولى: توماس هايغيت أول جندي بريطاني يعدم لفراره من الخدمة

مصدر الصورة Terence Highgate
Image caption عقدت محاكمة عسكرية سريعة لتوماس

ألقي القبض عليه وحوكم وأعدم رميا بالرصاص "وسط أكبر عدد ممكن من الأشخاص" خلال 48 ساعة في الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الأولى.

إنه الجندي البريطاني توماس جيمس هايغيت الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 19 عاما.

فُقد الموقع الذي دفن به واسمه ليس موجودا في نصب الحرب في مسقط رأسه.

كان أول جندي بريطاني يعدم بسبب الفرار من جبهة القتال خلال الحرب العالمية الأولى.

ولا يزال مصيره يثير مشاعر غاضبة وتساؤلات صعبة.

ويسعى تيرينس هايغيت، الابن الكبير لشقيق توماس، منذ سنوات لتحسين صورة عمه.

ويرى تيرينس أن النصب التذكاري للقرية وإشارته للصليب المصنوع من الطباشير يعبران عن موقفه وقضيته.

وقال عن (النصب التذكاري) في شورهام بمقاطعة "تذكر وانت تنظر إلى الصليب أعلى التلة أولئك الذين ضحوا بأرواحهم من أجل بلدهم (بين عامي) 1914-1918".

وأكد أن عمه توماس"كان واحدا من هؤلاء، ويجب أن يكون اسمه هناك".

وبعد وقوع اشتباكات في بدايات الحرب في بلدة "مونز" البلجيكية في أغسطس/آب عام 1914، اضطر الجيش إلى التقهقر لمدة أسبوعين وسط شعور بالتعب والإجهاد.

"تقهقر الجيش"

ويستعرض جوليان بوتكوفيسكي المؤرخ ومؤلف كتاب "طلقة في الفجر" كيف أن الجندي هايغيت اتخذ ما تبين أنه قرار مصيري في الساعات الأولى من يوم السادس من سبتمبر/أيلول.

وقال إن "الجيش البريطاني كان في حالة تقهقر، وتخلف هايغيت عن صفوفه وطالب بإذن "للدخول إلى دورة المياه" لقضاء حاجته.

وأضاف "كان هذا حقيقي بالفعل، كان هذا هو فراره (من الخدمة)، لم يتعدى ساعة أو بضع ساعات".

وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، وتقريبا قبل الإبلاغ عن فقدانه رسميا، عثر على الجندي هايغيت في أحد القصور وهو يرتدي زيا مدنيا.

وعقدت محاكمة عسكرية في غضون ساعات واستمعت هيئة المحكمة لما قاله هايغيت بأنه قد فاض به الكيل وأنه يريد الخروج من هذه الخدمة.

مصدر الصورة Getty
Image caption أعدم هايغيت رميا بالرصاص في يوم الثامن من سبتمبر/أيلول أمام جنود من وحدتين أخريين

وعندما ضغطت عليه المحكمة للدفاع عن نفسه، طعن الجندي هايغيت في هذه الأدلة، وأكد أنه كان ينوي الانضمام مجددا إلى وحدته العسكرية.

لكنه لم يستطع تقديم تفسير لخلع زيه العسكري، قائلا إنه لا يتذكر السبب بالضبط.

أزمة ثقة

وصدر قرار إدانة بحق هايغيت على الفور تقريبا ثم أعدم هايغيت رميا بالرصاص بعد الساعة السابعة صباحا في يوم الثامن من سبتمبر/أيلول أمام جنود من وحدتين أخريين.

وقال بوتكوفسكي "إذا نظر شخص إلى الفترة التي فر فيها هايغيت من الجيش، سيجد أن الريف كان مليئا بالأشخاص الفارين من الجيش مثله تماما ولم يعدموا".

وأضاف "لدى شعور بأن ما نبحث عنه هنا هو أزمة ثقة بين الضباط الكبار، وليس بالضرورة أي شيء يتعلق بهايغيت نفسه".

عملية الإعدام هذه لا يزال يتردد صداها حتى الآن.

وفي عام 2000، أجرت الكنيسة استطلاعا حول هذه القضية، والغالبية العظمى من المشاركين فيه أيدوا إضافة اسم هايغيت للنصب.

وبعد مرور ست سنوات، صدر عفو شامل عن 306 من الجنود البريطانيين أو جنود الإمبراطورية الذين أعدموا بسبب الجبن أو الفرار من الحرب (ليس من بينهم الجنود المدانين بالتمرد أو القتل).

لكن لا يزال هناك مساحة في نصب شورهام يمكن أن تستوعب اسم الجندي هايغيت.

وقال الميجور مايكل غرين رئيس الفرع المحلي للفيلق الملكي البريطاني إن هذه القضية قد نوقشت مرارا.

مصدر الصورة Getty
Image caption تيرينس يؤكد أنه يجب إدراج اسم هايغيت في نصب شورهام

عدالة متسرعة؟

وقال غرين "إنهم يرون أنه لا يجب إدراج اسمه لكونه فارا من الخدمة، إنهم لم يقتل (في الحرب)، لقد قتل بسبب فراره منها".

وأضاف "لا أرى سببا في ضرورة إدراج اسمه على (قائمة) نصب الحرب مع أولئك الذين خدموا بالفعل ولقوا حتفهم وهم يؤدون واجبهم".

وتابع "سنواصل مناقشة الأمر، لكنني أرى أنها ستمثل سابقة سيئة، لكن هذا هو رأيي وليس بالضرورة الرأي النهائي".

وتظهر قضية الجندي هايغيت مصاعب الحكم على قرارات الماضي بمعايير الحاضر.

فمن ناحية المعايير المدنية، فإن محاكمته كانت متسرعة ومنحازة وأجريت وفقا لإجراءات عسكرية طارئة خلال فترة الحرب.

أحكام الإعدام كان من الضروري إقرارها من جانب القائد الأعلى للجيش الذي كان متوقعا منه بل مطلوب منه أن يأخذ الوضع العسكري السائد في الاعتبار.

وكان هذا الوضع العسكري هو فقدان قوة المشاه البريطانية 20 ألف رجل بحلول الخامس من سبتمبر/أيلول وهو ما يعادل تقريبا ربع قوتها، إما قتلوا أو جرحوا أو فقدوا و لم يعثر لهم على أثر.

وصدرت أوامر من كبار القادة بأن "الفارين" من الجيش دون أسباب وجيهة سيواجهون "عقوبة مشددة".

وعلى المستوى الشخصي بالنسبة للجندي هايغيت، فإن الأمر أكثر تعقيدا بدرجة ما.

فالشاب الذي كان يبلغ من العمر 19 عاما وانضم للجيش في أوائل عام 1913 كان له سجل عسكري سيء يتضمن غيابات سابقة، بل إنه قضى 42 يوما في السجن بسبب فراره من الخدمة، لكن لم يعرف بأمره إلا عندما حاول الانضمام لوحدة جيش أخرى قريبة من وحدة أشقاءه.

وتوصل تقرير طبي صدر قبل أسابيع فقط من بدء الحرب بأن هايغيت كان يعاني من اضطرابات ومشاكل في الذاكرة، على الأرجح بسبب إصابته بالحمى الصفراء بينما كان يعمل على أحدى السفن.

ويحذر مارك كونيلي أستاذ التاريخ العسكري البريطاني الحديث في جامعة "كنت" من إعادة كتابة الماضي.

قلب العدالة؟

مصدر الصورة SHORHAM HISTORICAL SOCIETY
Image caption حينما شيد النصب التذكاري لقرية شورهام في العشرينيات، لم تطلب العائلة إدراج اسم ابنها هايغيت

وقال كونيلي "لنقل إنه بعد 20 أو 30 عاما، تأتي بعض العائلات الألمانية وتقول إن جدنا العظيم شارك في الحرب العالمية الثانية وأعدم بسبب مشاركته في بعض الفظاعات النازية".

"لكننا جميعا نعلم أنه وحتى انضمامه للقوات كان فقط شابا شغوفا بوطنه، ولم يكن لديه بالفعل ايديولوجية سياسية، لكن جذبته الأيديولوجية النازية".

وأضاف "إننا كعائلة سنمحو هذا السجل"، حتى بالرغم من أنه كان مثيرا للإعجاب في بادئ الأمر.

وانتقلت عائلة هايغيت، التي كانت تعيش في فقر شديد، بين شورهام وأطراف لندن، وهناك نصب في منطقة "سيدكاب" يحتوي على اسم توماس واثنين من أشقاءه لقيا حتفهما أيضا في الحرب.

وقال "بما أنه جرى تبرئة ساحته وأصبح حرا، يجب (إدراج) اسمه على (النصب)".

وأضاف "هذا لم يحدث، ولذا فإنني سأعلق صليبا باسمه، سيظل هناك (في مكان النصب) للأبد".

المزيد حول هذه القصة