الانتخابات الأفغانية: التصويت لمستقبل أفضل

Image caption تعد الانتخابات الرئاسية بمثابة تذكير بما وصلت إليه أفغانستان من تحول منذ سقوط نظام طالبان في عام 2001

في الوقت الذي تقف أفغانستان على أعتاب مرحلة فاصلة ستحدد مستقبلها السياسي، لا يزال ماضي هذا البلد باقيا لا يراوح مكانه بشكل عنيد.

وقال ضابط شرطة مبتسما وهو يحاول تذكيري عند اقترابنا من مركز القيادة الرئيسي لوزارة الداخلية شديد التحصين في العاصمة كابول "لقد التقينا منذ ما يقرب من 30 عاما، خلال فترة الرئيس نجيب الله."

ويشغل العميد نعمة الله حيدري حاليا رئاسة العمليات المنوط بها الإشراف على مركز الاتصالات الذي أعيد إنشاؤه في الآونة الأخيرة لمتابعة عمليات التأمين الضخمة للجولة الثانية من التصويت في الانتخابات الرئاسية.

ويعرب الأفغان الذين عاصروا جميع الحروب التي دمرت بلدهم منذ فترة حكم الرئيس نجيب الله، الذي كان مدعوما من الاتحاد السوفيتي، عن أملهم في أن تطوي الانتخابات هذه الصفحة من التاريخ المليئة بالحروب.

وستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ أفغانستان التي يُجرى فيها تداول سلمي للسلطة، ويسلم فيها الرئيس مقاليد الحكم إلى آخر منتخب.

وكانت الحملات الانتخابية القوية التي استمرت لأشهر والإقبال المثير للإعجاب في الجولة الأولى من عملية الاقتراع بمثابة دليل على عزم أفغانستان على المضي قدما في مواجهة تهديدات طالبان وعمليات العنف الدائرة.

Image caption يتخوف منتقدو عبد الله من أن رئاسته ستعزز قبضة أمراء الحرب وتزيد من مستوى الفساد

لكن الرجلين المتنافسين في جولة الإعادة، والتي تعد الجولة الحاسمة، مازالا يحملان الأعباء الماضية من حياتهما. إنها التهديدات وعمليات العنف.

ويرى بعض الأفغان أن وزير الخارجية السابق، الدكتور عبد الله عبد الله، يعد مرشح التحالف الشمالي، وهو الجبهة العسكرية التي جرى تشكيلها لمواجهة حركة طالبان في منتصف التسعينيات وتتألف إلى حد كبير من قادة الطاجيك الذين قاتلوا ضد الاحتلال السوفيتي. ويتخوف منتقدو عبد الله من أن رئاسته ستعزز قبضة أمراء الحرب الأقوياء وتزيد من المحسوبية والفساد.

Image caption يعرب منتقدو غاني عن قلقهم بشأن ما يعتبرونه غطرسة فكرية يتميز بها المرشح الرئاسي القوي

ويقول آخرون إن المرشح الثاني، وهو الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي ووزير المالية السابق، أشرف غاني أحمد زاي، أمضى عقود الحرب - التي كانت تتطلب جهدا كبيرا - مقيما في الولايات المتحدة الأمريكية. ويعرب منتقدوه عن قلقهم بشأن ما يعتبر غطرسة فكرية لدى غاني فضلا عن سرعة غضبه المشهور بها.

ومع ذلك، فإن الرجلين أحدثا تحولات مبهرة في ذروة هذا السباق الحاسم.

القدرة على البناء

واستطاع الدكتور عبد الله، الذي ينتمي إلى عرقية مختلطة من الطاجيك والبشتون، التوصل إلى تشكيل تحالفات مع أفغان تميزهم انقسامات عميقة. ففي الجولة الأولى من التصويت، حقق عبد الله تقدما كبيرا وحصل على 45 في المئة في بلد كان ينحدر ملوكه ورؤساؤه عادة من عرقية البشتون التي تشكل الأغلبية في البلاد.

أما أشرف غاني، فقد طاف أنحاء البلاد وهو يرتدي ملابس تقليدية قبلية، وتمكن من التواصل مع كل الأفغان على اختلاف مشاربهم، واستمع إلى مخاوفهم. وتعلم غاني أيضا الدرس من ترشحه للانتخابات الرئاسية الأولى له في عام 2009، والتي حصل فيها على نسبة ضئيلة للغاية بلغت 2.9 في المئة من الأصوات.

وعقد الرجلان صفقات مع الزعماء ذوي النفوذ في الأقاليم الأفغانية، والذين يسيطرون على كتل تصويتية متجذرة في الولاءات العرقية أو غيرها من الولاءات العديدة في البلاد.

مصدر الصورة reuters
Image caption مازال المرشحان يحملان أعباء من التهديدات وعمليات العنف

ويصف الرجلان نفسيهما على أنهما متفردان بقدرتهما على توحيد وبناء بلد لا يزال يكافح من أجل الانفكاك من تركة الحروب الطويلة التي مر بها على مدار عقود.

لكن هذا السباق يعد أيضا تذكرة بما وصلت إليه أفغانستان منذ سقوط نظام طالبان في عام 2001 عندما بدأت أموال المجتمع الدولي وجنوده في التدفق إلى أفغانستان.

وعلى الرغم من مخاوف الأفغان الشديدة إزاء مستقبل بلادهم فور رحيل القوات الأجنبية وانخفاض مستويات المعونة التي كان يقدمها المجتمع الدولي، يركز الأفغان الآن على هذه الفرصة في محاولة لتأمين انتقال سلس للسلطة.

وسائل تأمين متطورة

يتميز مركز القيادة الذي يشرف عليه العميد نعمة الله حيدري بوسائل التكنولوجيا الحديثة، حيث أجهزة الكمبيوتر ووصلات الفيديو التي تربط رجال الشرطة المدربين في كابول بالقواعد المركزية في جميع أنحاء أفغانستان، في حين تراقب مجموعة من الخبراء العسكريين من الولايات المتحدة الأمريكية المركز من إحدى زوايا المكتب، لكنه يظل يُدار بالكوادر الأفغانية.

وخلال زيارتنا لغرفة العمليات، سمعنا نداءات لإرسال طائرات هليكوبتر إلى منطقة يخشى رجال الشرطة من أن يتم نصب كمائن لسيارات نقل بطاقات الاقتراع فيها. ويظهر ضابط شرطة آخر في المقاطعة الجنوبية على إحدى شاشات العرض يذكر أن الاشتباكات مع طالبان تمنع وصول المعدات الانتخابية لبعض مراكز الاقتراع.

وفي الجانب الآخر من مجمع وزارة الداخلية مترامي الأطراف، قامت السلطات الأفغانية بتجديد مركز الاتصال الخاص بالطوارئ منذ انتخابات عام 2009 عندما زرنا إحدى الغرف المليئة بالطاولات والهواتف التي لم تكف عن الرنين.

ويجلس موظفو المركز الآن في أكشاك معدة خصيصا لهذا الغرض لتلقي المكالمات الهاتفية من الجماهير، بالإضافة إلى صفحة خاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

وأخبرنا العقيد هومايون عيني وهو مبتهج "تلقينا 3 آلاف و600 مكالمة في يوم التصويت بالجولة الأولى من الانتخابات."

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption غرفة العمليات التي تتابع العملية الانتخابية مزودة بوسائل التكنولوجيا الحديثة

وأضاف أنه "خلال السنوات الأخيرة ساعدتنا مكالمات المواطنين الهاتفية في إيقاف نحو 35 من الهجمات الانتحارية، والعثور على 6 آلاف لغم أرضي."

هذا هو البلد الذي كان عليك قبل نحو 13 عاما مغادرته لإجراء مكالمة دولية.

تحديات مستقبلية

وعلى الرغم من خيبات الأمل والانتكاسات التي حدثت منذ عام 2001، فإن أفغانستان الآن بلد جديد.

وعندما يخرج الشعب الأفغاني إلى مراكز الاقتراع للتصويت في هذه الجولة الثانية والحاسمة، سيكون الأمر بمثابة اختبار لقوات الأمن وكذلك المؤسسات الانتخابية التي أصبح الأفغان المسؤولون عنها الآن.

كما أنها تعتبر تحديا للرؤساء الطامحين وفرقهم، للعب وفقا لقواعد اللعبة السياسية الجديدة.

وأكد مبعوث الأمم المتحدة إلى أفغانستان، يان كوبيس، خلال مؤتمره الصحفي الأخير، ضرورة التحلي بالمسؤولية "في عدم القفز إلى الاستنتاجات" خلال يوم الاقتراع.

وخلال الجولة الأولى من الانتخابات، سارع كل من الدكتور عبدالله وأشرف غاني إلى إعلان الفوز، فيما حذر أنصارهما مما سموه "العواقب" في حالة حدوث أي تلاعب أو تزوير يمنع مرشحيهما من الوصول إلى الرئاسة.

ويعرب الكثيرون عن قلقهم من أنه في حالة كان هامش الفوز في اللجولة ضئيلا، فإن فرص تبادل الاتهامات - إن لم يكن الاضطرابات - ستكون كبيرة.

وقال أحد المحللين الأفغان لنا "أدليت بصوتي لصالح الديمقراطية في الجولة الأولى.. أما في هذه الجولة الثانية فلست متأكدا لمن سأصوت."

بالنسبة للعديد من الأفغان، فإن الجولة الثانية بمثابة التصويت من أجل مستقبل أفضل.

فمنذ ستة أشهر، كانت هناك توقعات بعدم إجراء هذه الانتخابات، وذلك لأن الرئيس كرزاي سيجد الحجج للبقاء في السلطة، في حين ستجبر طالبان الأفغان على الابتعاد عن صناديق الاقتراع.

وحتى الآن، كان الإقبال على الانتخابات أفضل بكثير مما توقعه الكثيرون.

لكن المرحلة الأصعب جارية الآن، إذ سيكون في وسعها تقديم المساعدة لأفغانستان في المضي قدما بشكل كبير إلى الأمام أو جعلها ترواح مكانها.

المزيد حول هذه القصة