كيف عرفت البوسنة طريقها إلى كأس العالم؟

مصدر الصورة AFP
Image caption يشارك منتخب البوسنة في كأس العالم للمرة الأولى هذا العام

في أول ظهور له في كأس العالم، يواجه منتخب البوسنة والهرسك تحديًا صعبًا في مباراته الأولى أمام الأرجنتين.

لكن هذه الدولة التي تقع في منطقة دول البلقان، التي مزقتها الحرب في تسعينيات القرن الماضي، يبدو أنها لن تتوحد خلف منتخبها الوطني الحافل بالمواهب الكروية وفقًا لتقرير مراسل بي بي سي بسراييفو جاي ديلوني.

وبالطبع لم يكن الرئيس المؤقت لاتحاد كرة القدم البوسني، إيفيكا أوسيم، يخطط لأن يكون آخر مدربي الفريق الوطني ليوغسلافيا الاتحادية، ولكن تفكك الاتحاد هو الذي جعله يحصل على هذا اللقب بعد أن قاد الفريق الوطني إلى كأس العالم إيطاليا عام 1990.

وكان المنتخب اليوغسلافي بقيادة أوسيم قد خسر أمام الأرجنتين التي خاضت المباراة النهائية أمام ألمانيا الغربية في إطار نهائيات كأس العالم عام 1990 بإيطاليا.

كما كان أوسيم قائدًا للفريق نحو التأهل السهل لبطولة الأمم الأوروبية لكرة القدم عام 1992.

ولكن اندلاع الحرب في منطقة البلقان وتفكك الاتحاد اليوغسلافي حال دون مشاركة المنتخب الوطني اليوغسلافي في تلك البطولة.

لذلك لم يلمس الكرة أي من لاعبي يوغسلافيا في إطار تلك البطولة التي خاضتها الدنمارك كبديل للفريق اليوغسلافي الذي لم يتمكن من المشاركة لتفوز الدانمارك بكأس الأمم الأوروبية.

يقول رئيس الاتحاد البوسني لكرة القدم "لا زلت أشعر بالفخر بأنني كنت المدير الفني لمنتخب يوغسلافيا الوطني".

وأضاف، "ولكنها لم تكن فكرتي أن أكون المدير الفني الأخير للمنتخب – فلم أكن أعلم بما سيحدث – ولو كان لدي علم، ما كنت سافرت بالفريق إلى إيطاليا وما كنت خضت كل هذه المباريات، فلو كنت أعلم ما سيحدث، لفضلت البقاء على أرض الوطن".

ويقصد أوسيم بـ "الوطن" هنا سراييفو، عاصمة البوسنة التي وُلد فيها.

ولا زال أوسيم يقيم بمسقط رأسه بعد أن خاض تجارب تدريب ناجحة في اليونان، والنمسا، واليابان.

"على قيد الحياة"

عام 1992، بدأت المواجهات بين القوات البوسنية (مسلمي البوسنة) وقوات الصرب ووقعت سراييفو تحت الحصار، بالنسبة لأوسيم، كان من أشق الأمور على نفسه أن يترك عمله كمدرب كرة قدم، تلك المهنة التي أحبها.

قال أوسيم إنه "في ذلك الوقت، كان الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوم به،فلم يحرك أحد ساكنًا من أجل البوسنة، تخلت عنا أوروبا والعالم أجمع، لقد كنا وحدنا لا نملك شيئًا في مواجهة الهجمات المستمرة، من الصعب أن أتحدث عن هذه الأشياء، والآن لابد لنا من أن نثبت للعالم أن البوسنة لا زالت على قيد الحياة".

مصدر الصورة AFP
Image caption كان إيفيكا أوسيم هو المرشح الامثل لقيادة اتحاد الكرة البوسني بفضل رفضه للتمييز العرقي

بالفعل، لا زالت البوسنة حية ، على الأقل في ملعب كرة القدم.

فبعد الكثير من الصولات والجولات التي كادت تأخذ منتخب البوسنة الوطني إلى القاع وبعد الهزائم التي توالت على الفريق في المراحل النهائية من التصفيات السابقة، لم تفوت البوسنة الفرصة هذه المرة لتسجل 30 هدفًا في عشرة مبارايات في إطار التصفيات المؤهلة لكأس العالم وتحتل المركز الأول في مجموعتها لتضمن التأهل لكأس العالم بالبرازيل.

ويرجع الفضل في التأهل إلى إيفيكا أوسيم، فلولاه ما كانت البوسنة في البطولة.

فمنذ ثلاث سنوات، حدثت صدامات بين الجماعات العرقية الرئيسية الثلاثة بالبوسنة كادت تحرم الاتحاد البوسني لكرة القدم من عضوية الفيفا.

وفي 2011 علق الاتحاد الأوروبي مشاركة البوسنة والهرسك في البطولات الدولية لشهرين حتى حققت الدولة الالتزام بالقواعد التي يفرضها الاتحاد على الأعضاء.

وكان أوسيم دائمًا ما يرفض التصنيف العرقي، وهو ما جعله المرشح الأمثل لتولي منصب الرئيس الانتقالي لاتحاد كرة القدم البوسني.

وقام أوسيم بترتيب أوراق الاتحاد ومهد الطريق أمام إيدن دجيكو وزملاءه بالفريق لخوض مبارايات أثبتوا من خلالها أنهم الأقدر على الفوز بين جميع الفرق المشاركة في تصفيات التأهل لكأس العالم.

الانقسامات العرقية

يقول أوسيم إن "أفضل ما خلفته الحرب هو سفر اللاعبين للخارج وتعلمهم الكثير ليتحولوا في النهاية إلى محترفين حقيقيين للعبة".

وأضاف "الآن أظهر الفريق إلى أي مدى يمكنه تحقيق النجاح وسوف نرى ذلك يتحقق على أرض الواقع".

يُذكر أن المدير الفني لمنتخب البوسنة والهرسك، الذي يقود الفريق في كأس العالم البرازيل 2014، هو سافيت سوسيتش الذي لعب لصالح باريس سان جيرمان ومنتخب يوغسلافيا الاتحادية.

وقد يعتقد البعض أن مشاركة البوسنة في كأس العالم من الممكن أن تخلق نوعًا من الوحدة بين البوسنيين في بلد لا زال يعاني من انقسامات عرقية.

لكن في بعض الأماكن، من المحتمل أن تعمل كرة القدم على تفاقم الخلافات، وفي تلك الحالات، لن تتمكن حتى أكبر بطولات العالم من تغيير واقع الانقسام والخلاف.

فالبوشناق سوف يشجعون المنتخب البوسني كما فعلوا في التصفيات المؤهلة لكأس العالم بينما يبدو أن كروات البوسنة سوف يشجعون كرواتيا في حين لا يتوقع أن يتحول ولاء صرب البوسنة إلى منتخب بلادهم رغم عدم نجاح منتخب صربيا في الوصول إلى النهائيات.

وكان المعلق الرياضي بالتلفزيون البوسني ماريان ميالوفيتش قد ألقى الضوء على تنوع ولاءات تشجيع كرة القدم في بلاده أثناء تعليقه على إحدى مبارايات التأهل التي أذاعها كلها عندما قال "إنه أمر غريب".

كما ساق ميالوفيتش، وهو مثال نادر إذ أنه من صرب البوسنة الذي يشجع البوسنة ويحبه الكثير من مشجعي الفريق، مثالًا يدلل به على أنه ينبغي أن يشجع الجميع من مختلف الأعراق منتخب البوسنة عندما أشار إلى أن أحد أبرز الرموز الرياضية في البلاد، وهو نوفاك ديوكوفيتش، وعد بأن يشجع الفريق الوطني.

مصدر الصورة AFP
Image caption من الممكن أن تؤدي الانقسامات العرقية إلى انصراف البوسنيين عن تشجيع منتخبهم

رغم ذلك، لا يمكن تطبيق نموذج المعلق الرياضي البوسني على المناطق ذات الأغلبية الصربية مثل بانيا لوكا.

وأضاف ميالوفيتش "المفارقة الغريبة في هذا الأمر أن بعض المشاهير من الصرب قالوا إنهم سوف يشجعون منتخب البوسنة لغياب منتخبهم عن البطولة، لكن هذا الأمر لا ينطبق على صرب البوسنة، ربما يغيرون رأيهم ولكن ببطء شديد".

لكن الأمر يختلف عن ذلك بالنسبة للعاصمة سراييفو على الأقل، والتي ينبغي أن تعيش حالة من الترقب بمجرد بدء البوسنة مباراتها أمام الأرجنتين.

وسوف تكون كل التجهيزات الخاصة بمتابعة كأس العالم حاضرة في تلك المدينة القديمة، التي تعد ملتقى الأديان والقوميات على مدار تاريخها، فسوف نرى الشاشات الضخمة منتشرة في أرجاء المدينة، وحفلات كرة القدم وتبادل الشباب ملصقات بانيني الرياضية التي تحمل صور اللاعبين.

وبوجود البوسنة في نفس المجموعة مع نيجيريا وإيران، سوف يكون من الصعب أن تصعد إلى الدور الثاني لكن أوسيم يعتقد أنه مهما يحدث للفريق، لا زال هناك قدر من التفاؤل.

وقال أوسيم إن "الفريق الرياضي الوحيد الذي يؤدي دوره في البلاد هو فريق كرة القدم، إنه يحمل اسم البوسنة، وقد جلب لنا سعادة كبيرة وأشاع روحًا عالية لم نكن نعرفها من قبل".

المزيد حول هذه القصة