غافريلو برينسيب: القاتل الذي يتذكره صرب البوسنة

مصدر الصورة AP
Image caption القبض على غافريلو برينسيب (الثاني يمينا) بعد لحظات من مقتل الأرشيدوق فرانز فرديناند

خلال الاستعدادات لتخليد الذكرى المئة لاغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، يكتشف مراسل بي بي سي غاي دي لوني أن صرب البوسنة الذين يقطنون شرقي سراييفو لا يترددون في الإشادة بهذا الأرشيدوق الذي كان يبلغ آنذاك 19 عاما وأدى اغتياله إلى نشوب الحرب العالمية الأولى.

ويبدو شرق سراييفو عالما آخر بعيدا عن أفكار أباطرة آل هابسبورغ وذلك القاتل المثالي الذي أشعلت طلقاته الحرب العالمية الأولى.

وتمتد البنايات ذات الارتفاعات المتوسطة التي تتميز بلونها الواضح، بطول الشوارع العريضة الخالية من الأشجار، فيما تشير اللافتات المكتوبة بالحروف السيريالية أن زائر المكان يوجد في القطاع الصربي من البوسنة أي جمهورية صربسكا.

لكن على رقعة من الأرض البائسة المعرضة بشكل كامل إلى شمس فصل الصيف الحارقة في منطقة بالبلقان، يقف العمال هناك وهم يتصببون عرقا إجلالا للرجل الذي أوصل نفوذ الإمبراطورية النمساوية-المجرية على البوسنة إلى نهاية مأساوية.

ويسرع العمال هناك لاستكمال حديقة البلدية الصغيرة التي ستكون مركزا لتمثال غافريلو برينسيب، الشاب البوسني الذين أطلق النار على الأرشيدوق فرانز فرديناند في 28 يونيو/ حزيران 1914.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption الموقع الذي يتوقع أن يشهد تشييد تمثال غافريلو برينسيب شرق سراييفو

ويقول رجل عقب خروجه من متجر للديكورات لبي بي سي: "فتاريخيا، كان جافريلو برينسيب شخصا مهما. اعتاد برينسيب أن يلعب دورا هاما في مجتمعنا ثم فجأة تغير هذا الدور."

وتقول سيدة أخرى: "أعتقد بأن جافريلو برينسيب يستحق أن يُشيد له نصب تذكاري."

وفي نزهة قصيرة وبعيدة إلى قاعة مبنى البلدة، يقدم عمدة يوبيسا كوسيتش مشروب الراكيجا، وهو مشروب كحولي تشتهر به منطقة البلقان ومصنوع من التفاح.

وأضاف العمدة: "هناك العديد من النقاشات المختلفة التي دارت حول دوره وما قام به. فنحن نعتقد بأنه (برينسيب) ليس إرهابيا، بل كان لديه أفكار ثورية عن الحرية، وليس فقط بالنسبة للصرب- وكان ينتمي إلى الحركة السلافية."

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption عمدة يوبيسا كوسيتش: "برينسيب ليس إرهابيا بل كان لديه أفكار ثورية عن الحرية"

ففي يوغوسلافيا السابقة، وهو دولة السلاف القومية التي خرجت من رحم الحرب العالمية الأولى، لم تكن تلك التصريحات تثير إلى حد كبير أي جدل، إلا أنه بعد صراعات منطقة البلقان التي كانت تغذيها النزعات العرقية في التسعينيات، أصبحت سيرة برينسيب، كشخص ينتمي إلى صرب البوسنة، تشير انقساما كبيرا.

ولا يزال يصر عمدة كوسيتش على أن تشييد نصب تذكاري لقاتل الأرشيدوق النمساوي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره عملا استفزازيا للجماعات العرقية الأخرى في البوسنة.

ويضيف: "تشييد تمثال لبرينسيب ليس عملا ضد المصالحة. فلدي وجهة نظري الخاصة عن التاريخ، كما هي وجهات نظر المواطنين في بلدتي، إذ ينظرون إلى برينسيب كبطل."

فوجهة النظر تلك قد تكون مختلفة إلى حد كبير وسط مدينة سراييفو، التي تبعد نحو 20 دقيقة بالسيارة.

ويعود العديد من المباني هنا إلى فترة ما قبل عام 1914، وهي بمثابة تذكرة يومية بأن البوسنة كانت ذات يوم جزءا من الإمبراطورية النمساوية-المجرية. وبالنسبة لبعض مسلمي البوشناق (مسلمي البوسنة)، وهم الغالبية هنا، كانت طلقة برينسيب بمثابة الشرارة التي دفعت البلاد نحو تلك المأساة.

مصدر الصورة Topfoto
Image caption غافريلو برينسيب

ويقول فيدزاد فورتو، المحرر في وكالة أنباء تابعة لعرقية كروات البوسنة: "كانت عواقب ما قام به برينسيب وخيمة بالنسبة للبوسنة."

وأضاف: "لم تكمل البوسنة وجودها في يوغوسلافيا، ولم يجرى الاعتراف بمسلمي البوسنة حتى عام 1968."

يعتبر فيدزاد برينسيب إرهابيا- وهو الموقف غير مثير للجدل في مناطق البوشناق في البلاد، حيث يعتبر سكان تلك المناطق برينسيب شخصا قوميا من الكيان الصربي بدلا من شخص مثالي ينتمي للعرقية السلافية. حتى إن الإشارة إلى أن الأمبراطورية النمساوية-المجرية كقوة احتلال فشلت في إقناع المراقبين بأن برينسيب ساهم في تحرير البوسنة.

ويضف فيدزاد الذي تعود أصوله إلى آل هابسبورغ: "كانوا لا يزالون حكاما أفضل من مملكة يوغوسلافيا أو يوغوسلافيا الشيوعية. يمكنك البحث في السجلات التاريخية، لترى كيف اهتمت الإمبراطورية النمساوية-المجرية بقضايا، مثل سيادة القانون. لقد خسرنا كثيرا في 1918."

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption الجسر اللاتيني في سراييفو الذي وقع بجواره حادث اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند

وبالتالي، فإن الاحتفالات التي ستقام في وسط سراييفو ستتخذ شكلا مختلفة تماما لتلك الموجودة في الجزء الشرقي من المدينة. وستزرو أوركسترا فيينا الفيلهارموني، مقر بلدية سراييفو (سيتي هول)، وستعزف هناك مجموعة مختارة ترجع إلى عهد آل هابسبورغ، بما في رباعية الإمبراطور لهايدن.

وسينتهي الحفل بعزف جزء من سيمفونية بيتهوفن التاسعة، والتي جرى اعتمادها منذ ذلك الحين كنشيد للاتحاد الأوروبي. ويعترف فيدزاد فورتو بأن عرض الوحدة سيكون خيارا أفضل لبلاده من تلك الاحتفالات المضادة.

وتابع: "علينا التكاتف لإحياء ذكرى ضحايا الحرب، وإيجاد أرضية مشتركة جديدة لا مزيدا من الانقسامات."

لكن ذلك لن يحدث. فأحلام السلاف الذي يؤمنون بأفكار برينسيب أبعد الآن مما كانت عليه قبل قرن من الزمان.

المزيد حول هذه القصة